أنت هنا

قراءة كتاب أقنعة الحداثة - دراسة تحليلية في تاريخ الفن المعاصر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أقنعة الحداثة - دراسة تحليلية في تاريخ الفن المعاصر

أقنعة الحداثة - دراسة تحليلية في تاريخ الفن المعاصر

في تاريخ الفن المعاصر وأقنعته الشكلانيـــة يتطلع الباحـث والطالب وكل متذوق للفنون للبحث عن النتاجـات الفنيـة التي تحفــزه روحياً وجماليـاً وتستوقفـه فيها طبيعة تجربتهاالمتفردة وأي قنـاع يرتسم على ملامحها .

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 8

تجديد الكلاسيكية

حاول الكاتب تجديد هذه الكلاسيكية كالذي شاع في كتابات (كورني) و(راسين) و(مولير)، وفي فنون التشكيل كالذي جرى عند ( دافيد) وسواه من دعاة الكلاسيكية الجديدة وكأن الحفاظ على تقاليد أسلوبية صارمة، يسبغ لفظة الكلاسيكية حتى على الفنون الحديثة نسبياً، فيجري التزاوج بينهما لأن صفة الاتزان والثبات والتكامل الفني في إنشاء التكوين وترابط الأسس والعناصر الفنية تحقق الوضع المناسب لمثل هذه التسمية المتوازنة والمتعادلة لمعنى (الكلاسيكية).

الرومانيكية وبداية الحداثة

وتظهر (الرومانتيكية) من بين المذاهب التي تنخرط في تلك الفنون التي باتت قديمة نسبياً، قياسا للفنون الحديثة، وان اشتركت بينها بعض المنطلقات من حيث رفضهما للمعايير الكلاسيكية، فالرومانتيكية رفضت المنطق العقلاني وتحللت من قواعد الكلاسيكية الصارمة، وأسبغت قيما خاصة على المواضيع العاطفية وتأجيج الانفعالات والمبالغة في المواقف الدراماتيكية، وأعطت أهمية مركزية (للفرد) وميّزته عن الجماعة، مثل لوحة ( الحربة تقود الشعوب) للرسام (ديلاكروا) عن البطلة (جان دارك) ممثلة للشعب الفرنسي الثائر بوجه المحتل الانكليزي، هذا البحث عن خصائص الفرد أكثر من الجماعة، هو الذي برّر للرومانتيكية تطرفها الواضح في تقديم شخصيات فائقة الجمال، أو فائقة القبح، ومتمادية الشذوذ، وغريبة الأطوار. وقادها الخيال الجامح بعيداً عن مسوغات الواقع وصدقيته، فذهبت بها تخيلاتها الفنية إلى أجواء غريبة، قصية، مثل عوالم الشرق الساحرة.

الشكل والمحمولات الحكائيـة

اشتغل الشكل على قصص مثل ( ألف ليلة وليلة) أو مصباح علاء الدين السحري والسندباد البحري، أو مثل قصص الفرسان، الذين يتمردون على سلطة القانون، ويطمحون إلى إعادة الحق إلى نصابه والاقتصاص من الأشرار، مثل روبن هود) و(فرسان المائدة المستديرة) و(الفرسان الثلاثة) أو غير ذلك من خيالات يكون موطنها الجزر البعيدة، أو الغابات البكر، أو الأماكن الخرافية العجيبة، إن الانتصار الخيالي في الرومانتيكية أبرز التناقض واضحا بين (قبح) الشكل البشري المادي وشاعرية وجمال (الروح) الداخلية وصفائها ونبلها عند الأفراد العشاق والمنعزلين عن ركب الجماعة، بمثل ما نراه في قصة البؤساء للفرنسي فكتور هوجو، الذي ينتصر لروح الإنسان في عالم يحاصر فيه الأخبار ويطاردون من قبل رموز من المخبرين والشرطة والطغاة الذين لا يمتلكون ذرة من إنسانية أو ضمير في رواية (أحدب نوتردام) يظهر هذا ألأحدب رغم بشاعة مظهره، وتشوهات وجهه وجسده، إذ تنتصر فيه طيبة القلب وسماحة الروح على ذلك القبح.

الضوء واللون في الانطباعيـة

وتذهب (الانطباعية) مذهباً آخر، فهي تحتفي باللون والضوء اللاهث المتغير، سريع التبدل والزوال ليُؤثر على حساسيتنا ومشاعرنا، فلم تعد (الوردة) -مثلا- شيئاً منقطعاً ثابتاً، بل مجرد انطباع لوني متغير يستجيب لتأثيرات الضوء والظل والعتمة والشفافية في أوقات النهار المختلفة وكذلك في نور القمر، المباين لضوء الشمس، هذه الطبقات الضوئية والتماعاتها وتذبذبها استجابت للحقائق العلمية التي غيرت من مفهومات الضوء وفيزياويته وأطيافه التركيبية وموجاته، فانتقلت إلى الفنانين التشكيلين، لتغير لديهم المفهوم التقليدي للبناء اللوني والضوئي للوحة، أما في الأدب فكانت الانطباعية تدور أحداثها في داخل مروج الذات وسهوب الروح، ومتعرجات الروح الداخلي للقارئ أو مبرر للمرور بمثل هذه المغامرة الروحية من داخل الفرد.

أسرار الرمزيـــة

تعمقت (الرمزيـة) في الإيحاء للكشف عن الغموض الذي يكتنف الحياة الداخلية للعمل الفني التي تتحول فيها الأشياء والأحداث والشخوص إلى (حالات) خاصة من الرموز المرئية، لاسيما في فنون التشكيل، أو الرموز السمعية، الأخرى في فنون الكتابة الدرامية على سبيل المثال، كما في مسرحية الكاتب (موريس ماترلنك) الموسومة: (في داخل البيت) وهي تقدم معادلة فنية من نمط خاص لما يجري في داخل روح الإنسان الذي تبحث من خلاله عن فكرة (الموت) برموز موحية، من غير الجنوح للإفصاح عن تلك الترميزات والإشارات والإيماءات، بتحسسنا وانفعالاتنا وهي تجري في جوّ عام من التلقي أشبه بعالم من التصوف والقداسة والحلم، بحيث تظهر حياة الإنسان مستثارة من قبل قوة غامضة تدفع بها إلى مراتب عليا أو تقودها إلى الغناء، بمثل ما نراه في نص مسرحية (العميان) لماترنك - أيضا- ولكل مفردة من مفردات النص الفني، دلالة خاصة ومعان عامة، تشمل مساحة إنسانية واسعة مثل فكرة العدالة، والحرية، والنضال، والثورة، والقانون للتعبير عن تخبطات مسيرة الإنسان في حياة عدوانية تستهدف أمنه وسلامته، ورغم ادعائه بأنه يبصر هذه الشرور الحياتية ويراها، لكنه في حقيقة جوهره أعمى، وأصم، ومتصلب الحواس والمشاعر، أمام رعب الزمن وسطوته وتحديه لحياتنا الوجيزة، المنطفئة على حين غرّة.

الصفحات