هذا الكتاب خصص لدراسة ميلاد الذكاء عند الطفل لذلك نجده يحتوى على مختلف مظاهر الذكاء الحسى الحركى كما يحتوى على أفكار رئيسية لاسيما ما يتعلق منها بتكوين الصور الإجمالية الحسية الحركية وعملية التمثيل العقلى والتى هى من أساسيات الذكاء الفكرى للطفل حيث هناك ما
أنت هنا
قراءة كتاب ميلاد الذكاء عند الطفل
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
مدخــــل: المشكلة البيولوجية للذكاء
من الضرورى أن نثير مشكلة العلاقات بين العقل والتركيب البيولوجى فى بدء دراسة الذكاء. حقاً إن مثل هذه المناقشة لا يمكن أن تنتهى بنا إلى أية نتيجة إيجابية فى الوقت الراهن، ولكن ألا يجدر بنا أن نحدد موقفنا، ونحن على أتم ما يكون وعياً، حتى نستخلص المبادئ التى سنتخذها نقطة بدء للبحث، بدلا من أن نتأثر ضمناً بأحد الحلول الممكنة لهذه المشكلة؟
إن الذكاء اللفظى أو الفكرى يعتمد على ذكاء عملى أو حسى حركى، ويعتمد هذا الذكاء الأخير بدوره على العادات وعلى ضروب الترابط المكتسبة، وهو يهدف إلى التأليف بين هذه الضروب من جديد. ومن جانب آخر تفترض هذه العادات وضروب الترابط مجموعة من الأفعال المنعكسة التى ترتبط بالبداهة ارتباطاً وثيقاً بالتركيب الترشيحى والمورفولوجى([1]) للكائن العضوى؛ ومن ثم يوجد نوع من الاتصال التدريجى بين الذكاء والعمليات البيولوجية المحصنة التى تتصل بنشأة الأشكال العضوية والتكيف بالبيئة. فما دلالة هذا الاتصال؟
من البديهى، قبل كل شئ، أن نمو الذكاء يتوقف على بعض العوامل الوراثية. لكن من الممكن أن نفهم هذا الأمر بمعنيين يختلفان من الوجهة البيولوجية اختلافاً كبيراً جداً، بحيث يمكن القول أن عدم التفرقة بين هذين المعنيين كثيراً ما أدى إلى إلقاء نوع من الغموض على تلك المناقشة التقليدية التى دارت حول المعانى الفطرية؛ بل حول الفكرة المبدئية "a priori" فى البحوث الخاصة بنقد المعرفة العلمية.
أما العوامل الوراثية للطائفة الأولى فهى ذات طابع عضوى تركيبى، وترتبط بطريقة تكوين جهازنا العصبى وأعضاء الحس عندنا. وعلى هذا النحو فإننا ندرك بعض الإشعاعات الفيزيقية ولكننا لا ندركها جميعها، كما أننا ندرك الأجسام فى نطاق محدود وهكذا. وتؤثر هذه العناصر التركيبية الأولية فى تكوين المعانى الأساسية جداً. فمثلا يتوقف إدراكنا للمكان على هذه العناصر الأولية ما فى ذلك ريب، حتى على فرض أننا استطعنا أن نتخيل ضروباً من المكان التى لا تقع تحت إدراكنا الحسى، لأنها قياسية بحتة.
وحينئذ فإن هذه الخواص التى نجدها فى الطائفة الأولى تدل فى جوهرها على وجود حدود معينة لا يمكن تجاوزها، وإن كانت تمد الذكاء بتراكيب مفيدة، وهى تختلف فى ذلك عن عوامل الطائفة الثانية. فإدراكاتنا الحسية هى الإدراكات الواقعية من بين جميع الإدراكات التى يمكن تصورها؛ وليس المكان "Espace" كما يتصوره إقليدس، وكما يرتبط بأعضاء الحس لدينا، إلا أحد ضروب المكان التى تتوفر فيها شروط التجربة فى علم الطبيعة. وعلى عكس ذلك نرى أن النشاط العقلى القياسى الذى يعمل على تنظيم التفكير نشاط غير محدود، ويفضى على وجه الدقة إلى ضروب من التعميم التى تتجاوز حدود الإدراك الحسى من الوجهة المكانية. وما دام هذا النشاط وراثياً فإنا نفهم معناه إذن على نحو مختلف جداً. فالأمر هنا بصدد دراسة عملية النشاط نفسها، لا بصدد دراسة وراثة هذا التركيب أو ذاك. وبناء على هذا المعنى الثانى استطاع "هنرى بوانكاريه" أن ينظر إلى الفكرة المكانية عن "المجموعات" على أنها فكرة سابقة للتجربة، وذلك لأنها ترتبط بنشاط الذكاء نفسه.
أما فيما يتعلق بدراسة انتقال الذكاء من حيث هو، فإنا نجد تلك التفرقة نفسها. فمن ناحية توجد مسألة خاصة بالتركيب؛ إذ أن "الوراثة الخاصة" لدى النوع الإنسانى "وسلالاته" الفرعية تتضمن مستويات خاصة فى الذكاء أسمى من مستوى الذكاء لدى القرود وغير ذلك من الحيوان. لكن يتضح لنا بداهة من ناحية أخرى أن النشاط الوظيفى للعقل (أى نفس العقل الذى لا يكتسب بالتجربة) يرتبط "بالوراثة العامة" للتركيب البيولوجى نفسه، كما أن الكائن العضوى نفسه لا يستطيع التكيف بالتغيرات المحيطة به ما لم تكن وظائفه العضوية قد نظمت من قبل؛ كذلك لا يستطيع الذكاء إدراك أى شئ خارجى دون وجود بعض الوظائف الخاصة بالاتساق (ومبدأ عدم التناقض هو أسمى هذه الوظائف)، أو الخاصة بتحديد العلاقات وهلم جرّا. وهذه الوظائف توجد فى كل تركيب عقلى.
وهذا النموذج الثانى من الحقائق النفسية الوراثية ذو أهمية رئيسية فى نمو الذكاء. وحقيقة إذا كانت هناك نواة وظيفية للتركيب العقلى الذى ينجم عن التركيب البيولوجى - باعتبار ما ينطوى عليه من عناصر شديدة العموم- فمنن البديهى فى الواقع أن هذه العناصر الثابتة ستوجه مجموعة التراكيب المتتالية التى سيخرجها الذكاء إلى حيز الوجود بسبب الصلة التى تربطه بالحقائق الخارجية. وهكذا نجد أن هذه النواة الوظيفية تؤدى ذلك الدور الذى كان الفلاسفة ينسبونه إلى الفكرة السابقة للملاحظة والتجربة، ومعنى ذلك أنها تفرض على التراكيب العقلية بعض شروط الوجود الضرورية التى لا يمكن إرجاع بعضها إلى بعض. ومع هذا فقد أخطأ بعضهم أحيانا عندما نظر إلى الفكرة السابقة للملاحظة كما لو كانت تنحصر فى ضروب من التراكيب الفطرية التى توجد مباشرة فى بدء مرحلة النمو؛ فى حين أن العناصر الوظيفية الثابتة فى التفكير، وإن أدت وظيفتها منذ المراحل الأولية جداً، فإنها لا تفرض نفسها على الشعور إلا بالتدريج، وذلك بفضل إعداد بعض التراكيب التى تزداد مطابقتها لعملية التفكير نفسها شيئاً فشيئاً. ومن ثم فإن الأفكار السابقة للملاحظة لا تبدو على هيئة تراكيب ضرورية إلا فى نهاية تطور المعانى، لا فى بدء وجودها. وإذن فالأفكار السابقة للملاحظة، وإن كانت وراثية، فإنها توجد على طرفى نقيض مع ما أطلق عليه الناس فيما مضى اسم "المعانى الفطرية".
أما فيما يخص تراكيب النموذج الأول فإنها أقرب شبها بالمعانى الفطرية بمعناها الكلاسيكى. وقد استطاع بعضهم أن يبعث الشباب من جديد فى المذهب القائل بفطرية المعانى الخاصة بالزمان والمكان، وذلك بمناسبة الحديث فى مذهب "الجشتالت" عن المكان وعن الإدراكات التى "أحسن تركيبها". غير أن هذه التراكيب تختلف عن العناصر الثابتة فى الناحية الوظيفية من جهة أنها لا تنطوى على أى عنصر ضرورى من وجهة نظر العقل. فليست هذه التراكيب سوى تراكيب داخلية محدودة ومحددة، ولا تنفط التجارب الخارجية، والنشاط العقلى بصفة خاصة، عن تجاوز نطاقها. فإذا كانت هذه التراكيب فطرية على اعتبار ما، فإنها ليست سابقة للملاحظة بالمعنى الذى يدل عليه هذا اللفظ من الوجهة المنطقية.
فلنحلل أولا العناصر الوظيفية الثابتة، وسوف نناقش فيما بعد (الفقرة الثالثة) المشكلة التى يثيرها وجود التراكيب الوراثية الخاصة، وهى تراكيب النموذج الأول.


