كتاب " اللفظة الاقصائية في النقد العربي القديم اركيولوجيا السلطة والمعرفة " ، تأليف محمود خليف خضير، والذي صدر
أنت هنا
قراءة كتاب اللفظة الاقصائية في النقد العربي القديم اركيولوجيا السلطة والمعرفة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

اللفظة الاقصائية في النقد العربي القديم اركيولوجيا السلطة والمعرفة
تحديد شبكة المفاهيم (اللفظة، اركيولوجيا)
ارتأينا إن نحدد معالم هذه المفاهيم من خلال الاقتراب من ماهيتها وتعريفها ليساعدنا على تكوين خلفية معرفية نتلمس بها طريقا واضحا من خلال التعريفات التي تكون جهازا مفاهيما يوصلنا الى منهج او آلية نحدد من خلالها مشروعية القراءة الاركيولوجيا (حفريات المعرفة).
أ ـ انطولوجيا اللفظة وتداوليتها:
تتحدد سيرورة البحث والحفر عن مكنون بداية تشكيل منطقية اللفظة ووجودها المؤثر في الاشياء والانسان اشكاليات كثيرة، اذ تفرز ذاكرة اللفظة تداعيات كثيرة منها الدينية والاجتماعية،والثقافية،والابستومولوجية، والانطولوجية التي تداخلت فيها اللفظة وتشابكت فيها ابستيمية المعرفة التي تقننت وارتدت بها اللفظة قوالب عقائدية،وايدلوجية، واسطورية اضفت طابعا من القداسة على اللفظة، اذ منذ الازمنة الاولى كانت هناك وحدة حميمية([٭]) بين اللفظة او الكلمة والشيء، بحيث كان الاسم الحقيقي يعد جزءً من حامل الاسم ([1])، فقد شكلت تسمية الشيء عملية خلق له مرتبطا بحضوره في الذهن مما يبعث على الاثارة والدهشة التي تتماها مع الحضور الواقعي له، فنطق اللفظة والكلمة يعني حضور الخواص الفاعلة للشيء، محملا بحصيلة تداولية ترتبط بتجارب تاريخية طويلة تتحايث معها احاسيس وتخيلات واسعة توحي بطاقة شبه سحرية للكلمةو اللفظة، ويكمن ان تتجاوز اللفظة والكلمة صفة الحضور للشيء لتدل بذاتها الى وجود الشيء ذاته دون تاريخه وفعالياته، اذ كشفت اركيولوجيا الاثار في المدونات السومرية ان اللفظتين التي استعملوها في التعرف على الخواص الفاعلة والجوهرية في الاشياء، هي نطقهم للفظة (نم، ومي) اذ تعني (النم) خواص فعل الشيء او الموضوع، وقدره وقدرته([2])، اذ ان طبقا لتقليد الكتابة عند السومريين والبابليين كانت الفكرة تتجسد بوصفه حقيقة اذا تحولت الى لفظ او كلمة، فالملفوظ يحضر اذا لفظ بغض النظر عن حقيقة وجوده، اذ ان كل شيء لا يكتسب وجودا محسوسا الا اذا اضفى عليه الاسم مما يمنحه القوة والديمومة في الوجود؛ لذلك ظهرت قيمة الاسم بوصفه ظاهرة من ظواهر الوعي والممارسة في بلاد الرافدين، ووادي النيل فقد اعتقد المصريون القدامى ان الاشياء تتكون وتوجد حينما يعبر عنها بالتسمية، ففي النطق يكمن سر وجود الاشياء، لذلك تضاعف عدد الالهة في بلاد الرافدين والنيل في كون ضرورة التلفظ الملزمة للاسم تستدعي تحققا وجوديا للمسمى، الذي يجلب الشيء من العدم الى الوجود فكان ايمانهم المتافيزيقي يتجلى في وجود الاله في مكان ما في الكون حتى يستقر الوعي السومري والبابلي على حقيقة وجودية الاله فقد اضفوا اليه صفات تأكد حقيقة الوجود الفعلي له([3])، ولكون اللفظة اكتسبت بعدا وجوديا وتقديسا، فان افشاء سرها كان موضع للرعب الناجم عن الخرافة المتبلور في ان الرجل والانسان الذي يعرف او يكتب اسم عدوه يُمنح قوة يستطيع بواسطتها ان يكتسب قدرات سحرية عليه([4])، ولكن هذه القدرة والحميمية بين الكلمة والشيء شرعت الفلسفة الاغريقية على تقويضها بفكرة تصور الكلمة ما هي الا اسم فقط لا تمثل وجودا حقيقيا للشيء، وبالمنطقية الفلسفية الاغريقية اخترق السؤال الفلسفي منطقة الاسم او الكلمة التي فرضت سلطنها عليه بلا منازع لمدة طويلة من الزمن، اذ تبلور في التفكير الفلسفي لحظة متنافرة ومتناقضة بين الايمان بالكلمة والشك فيها، والتي على اثرها تغير دور الكلمة او اللفظة من تقديمها او وجودها للشيء الى استبدالها به، كاشفا عن علاقات جديدة تمنطق هذا الفكرة الاستبدالية للشيء في الفكر الفلسفي اليونانية في كون الكلمة تكون علاقة تشابه تشير الى صفات طبق الاصل للشيء، وعلاقة محاكاة تجسد وجودا او عرضا للشيء، وهناك علاقة اتخذت من وسيطية اللوغوس(العقل) التي تنطوي على علاقة الكلمة باللوغوس والذي يمثل اساسا واصلا ينظم علاقة الكلمة، التي وجدت في اللوغوس ليس فقط دوره مجرد اظهار الوجود، وانما يعمل على وضع الوجود دائما في علاقة،وتعزو اليه شيئا ما، عاملا على الابتعاد بالحقيقة عن منطقة الكلمة الى منطقةعمله التي تمارس دور الحامل له،محدثا ضرورة فكرية جديدة تضع الوجود المعبر عنه باللغة في منطقة ثانوية ترتبط بنظام او بناء من العلاقات ينضمه اللوغوس الذي يفصل الشيء ويؤوله، وهكذا يعمل اللوغوس على تحويل الكلمة الى علامة تتماها مع علامات اخرى في نظام العلاقات اللوغوسية مثل علامة العدد محدد دور العلامة اللغوية في الاشارة الى وجود محدود جدا ومعروف سلفا،محققا دورا جديدا للغة والكلمة يرتبط بفاعليتها التواصلية والاداتية.
ولكن المسار التواصلي والاداتي للفظة يتغير في الفكر الديني والفلسفة المسيحي التي تقدم رؤية جديدة عن تجسد الكلمة او اللغة وسيطا بين تناهي العقل الانساني واللاتناهي الالهي محدثة فهم جديد للكلمة بوصفها علامة او رمز يكمن في باطنها الحقيقة الالهية.
ومن الجلي ان يحدث اقصاء لماهية ووظيفتها بوصفها علامة مادية بعد ان اخضعت ذاتيا اللغة برموز صنيعة محدودة بلا لبس في القران الثامن عشر والقرن العشرين، اذ عقلنة اللغة في مثالية ستنطبق على ما هو قابل للمعرفة، اي الوجود بوصفه شيئا متاحا موضوعيا بشكل مطلق، وبذلك تحولت اللغة واللفظة الى لغة واصفة او لفظة واصفة متجسدة في عملية تطور المصطلحات العلمية، فالمصطلح التقني في الاساس كلمة تكون ذات معنى احادي وتدل على مفهوم محدد، وتجسد فعلا تقنيا مصطنعا محددا لا ينفتح على معاني واسعة كما في المعنى الحي والكلام الذي يكون له نطاق معين من التنوع، فضلا على ان المصطلح التقني اصبح متحجرا ويظهر الفعل العنيف الذي يمارس ضد اللغة، وبذلك يكون ضد منطق وروح اللغة الحية، وان كان يحقق العالمية([5]).

