كتاب " اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي " ، تأليف ع
أنت هنا
قراءة كتاب اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي
ومثل ذلك ينطبق على شعرهم في التشبيهات الغزلية من ناحية استعمال اللون الأبيض والأصفر، أمّا الشعر الخمري فكان اللون الأحمر يغلب على غيره من الألوان، فيما كان اللون الأسمر مجسّداً في وصف صورة الرمح([6]).
ودلالات الألوان في عصر ما قبل الإسلام كانت بسيطة إذا ما قورنت بالعصور التي تلته، لا سيما العصر العباسي([7]).
وفي العصر الإسلامي والأموي لم تختلف الحال كثيراً عمّا سبق، فكانت مدلولات الألوان تقترب من معاني مثيلاتها في العصر الجاهلي، إلاّ ما يمكن عدّه دخول المعاني الإسلامية إلى فكر الشعراء من ناحية تفضيل بعض الألوان على غيرها، منطلقين بذلك من ورود الألفاظ اللونية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ففي القرآن الكريم وردت ستة ألوان صريحة، هي: الأبيض، والأسود، والأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق، وتباينت دلالاتها بحسب مناسبتها في النص القرآني([8]).
من ذلك قوله تعالى:(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿106﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿107﴾) آل عمران: ١٠٦ ـ ١٠٧, وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) فاطر: ٢٧, وقوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) الحديد: ٢٠, وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) الحج: ٦٣, وقوله تعالى:(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ ) طه: ١٠٢.
أمّا ما ورد من ألوان في الأحاديث النبوية الشريفة فكثير، لذا سأورد بعضاً منها في إشارة إلى دلالاتها المختلفة، تبعاً للمناسبة التي اقتضت قول الحديث.
من ذلك قوله r: ((إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وسأخبركم عن ذلك، ما المسلمون في الكفار إلاّ كشعرة بيضاء في ثور أسود، أو كشعرة سوداء في ثور أبيض))([9])، وقوله r: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، كان كلّ نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود...))([10])، وفي الحديث الذي روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنّه قال: رأى رسول الله r عليَّ ثوبين معصفرين([11])، وهو يدل على اللون الأصفر، فقال: ((إنّ هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها))([12])، وقوله r: ((من حلف بيمين آثمة عند منبري هذا، فليتبوأ مقعده من النار، ولو على سواك أخضر))([13]).
استمدّ كثير من شعراء العصر الإسلامي والأموي دلالاتهم اللونية على وفق المنظور الذي رسمه التغيير الجديد الذي طرأ على المجتمع العربي آنذاك، وهو بزوغ فجر الإسلام وما حمله من قيمٍ دينية وأخلاقية، وجدت صداها في الشعر، كما كان بيّناً في غير ذلك من مناحي الحياة.
ثم كان بعد ذلك العصر العباسي والأندلسي، وهما يمثلان فترة ازدهار الحياة بمختلف نواحيها، لاسيّما الأدبية، ومن بينها الشعر بكلّ صوره وتشبيهاته وحضوره الراسخ في المخيّلة الإبداعية، على اختلاف مشاربها.
يأتي هذا المزج بين العصرين ـ العباسي والأندلسي ـ نتيجةً لتقارب نمط الحياة من ناحية المدة الزمنية، والمنبع الثرّ الذي يستمدّ منه الطرفان، ممثلاً بالشعر الجاهلي من جهة، والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من جهة أخرى، ومن ثم الظروف المحيطة بهما وما اشتملا عليه من تطوّر حضاري واسع، شمل كلّ الميادين؛ الثقافية، والحضارية، والاجتماعية.
وممّا لا شكّ فيه أنّ بواعث التطوّر التي اتّسم بها العصر الأندلسي كانت ذات أثر عميقٍ في نفوس الشعراء، فظهر ذلك في أشعارهم، فضلاً عن الفكر المشرقي الذي حملوه معهم حين دخولهم الأندلس، إذ لا يمكن الفصل بين موروثهم، وما تتمتّع به شخصيّاتهم من أصول تضرب جذورها إلى عمق الثقافة المشرقية، لكنّ تطوّر الحياة، وتغيّر البيئة، كان له الأثر الأبرز في تكوين ملامح الشخصية الأندلسية فيما بعد.
خضعت المفردة اللونية في الشعر الأندلسي إلى شكل من أشكال التجديد، وذلك من خلال استلهام مشاهد الطبيعة التي ألقت بظلالها على شعرية الألفاظ اللونية، فغدت معلماً بارزاً يشار إليه كلّما مرّ ذكر الأندلس، وإن كان بعض الباحثين يرى أنّ الشعر الأندلسي لا يترك أثراً دائماً في النفس بسبب ما يحويه من ألوانٍ مختلفة، وصورٍ وتشبيهاتٍ متتالية([14])، وهو قول مردودٌ بما تشهد عليه نصوص أدبية بقيت علامة فارقة في الأدب الأندلسي، كانت وما زالت ترددها الأجيال إلى وقتنا الحاضر، منها على سبيل المثال لا الحصر، نونية ابن زيدون، وسينية ابن الأبار، ونونية أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس.
((وإن يكن الشاعر العباسي قد وضع إحدى رجليه على تراثه والأخرى على بيئته العباسية الجديدة فإنّ الأندلسي كانت روافده ثلاثة: رافد التراث ـ الجاهلي والإسلامي والأموي، ورافد المعاصرة العباسي، ورافد البيئة الأندلسية الجديدة))([15]).
من هذا المنطلق؛ تأتي أهمية اللون في الأدب العربي عموماً، والأندلسي خصوصاً، إذ يعمل على تقديم مدركات حسية ترتفع بأدائها إلى مستوىً متطلّب، يُبرز القيم الجمالية للنصّ من خلال تعدد أبعاده الدلالية، وانفتاحها على تجلّيات اللفظ اللوني الصريح، والموحيات اللونية، وظلال الألوان، وانعكاسات اللون، والضوء والنور.

