كتاب " اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي " ، تأليف ع
أنت هنا
قراءة كتاب اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي
أ ـ اللون في شعر المديح
يعدّ المديح أحد أهمّ الأغراض الشعرية التي نظم الشعراء عليها، واختلفت أحاسيسهم ومشاعرهم ما بين الصدق والتملّق، أو التكسب، أو الحثّ على فعل مكارم الأخلاق، فهو يعنى بذكر المناقب والصفات، وتمجيد الممدوح وتخليد شجاعته وشدّة بأسه([16])، ولم يخرج عن تعداد القيم الاعتبارية التقليدية للمدوحين، حتى يقتدى بها وتكون مثالاً ومعياراً يهتدي إليه الناس، فتوارث الشعراء عن أسلافهم المعاني والقيم الشائعة نفسها، من وصف الممدوح بالقوة، والإقدام، والكرم، والنسب الشريف، حتى يصل الأمر إلى جعل الممدوح هو الرجل المثال في احتواء تلك الصفات([17]).
ولسنا في هذا الموضع بصدد الخوض في أصول فنّ المديح في الشعر، أو تتبع تاريخه والوقوف على من اشتهر به، لكن الحديث عن المديح يستلزم ذكر صفات الممدوحين وارتباطها بالألوان ـ موضوع الدراسة ـ؛ ذلك أنّ كثيراً من تلك الصفات تُبنى على أساسٍ لوني بيّن، كصفو السريرة ونقائها، ووضاءة الوجه وإشراقه، وتشبيهه بالبدر أو غير ذلك من دلالاتٍ لونيةٍ أخرى صريحة أو غير صريحة.
وقد يكون المديح مرتبطاً بالطبيعة ومن ثم باللون؛ لأنّ الشاعر يستبدل المقدمة التقليدية بمقدمات وصف الطبيعة ووصف الرياض وما شاكلها، ومن الطبيعي أن تحوي هذه المقدمات على الألوان المبهجة، ومن ثم يكون المزج بين أوصاف الطبيعة ومناقب الممدوحين([18]). فالتصوير اللوني والاحتفاء بالتشكيل اللوني في شعر الأندلسيين مزج بين صفات الطبيعة وصفات الممدوح، وقد كان أرحب خيالاً لديهم، فكان الشاعر يربط بين ألوان الطبيعة وشعر المديح
من بين الأبيات التي يستظهر فيها الشاعر عظمة الملوك وهو في معرض المدح قول (إبراهيم بن الحاج النميري([19]) ت793هـ)([20]):
خير الملوك التي جلّت علاً فغدت
حمراً وقائعها بيضاً أياديها
إذ يسعى الشاعر إلى إغداق لونين في إبراز صورة المنزلة الرفيعة التي يتبوّؤها الملك وهو يخوض غمار الوقائع التي تتشرب بلونٍ أحمر يطغى على مشهد المعركة التي أثخن فيها بدماء العدو، إذ منح هذا اللون هنا صورة حوّلت المعركة إلى سلسلة من الانتصارات المتلاحقة، إذ تُضرّجُ الرايات بدم الأعداء ويُنال الفوز فيها. أمّا أيادي الممدوح فهي بيضاء على الرغم من طغيان المدّ الأحمر على المشهد، فهم ـ أي الملوك ـ لهم صنائع فضل وإحسان على الآخرين تتسم بالنقاء، لذا لا يتداخل اللون الأبيض والأحمر على الرغم من تقاربهما في ذاكرة المتلقي، فالصنائع الأولى في سياقها الحربي، والصنائع الثانية في محيطها بين الأهل والرعية.
إنّ منزلة العلا والرفعة تدرّجت صعوداً من خلال هذين اللونين، فصارت حلةً مرتبطة بذكر الملوك؛ لأنها تبرز خصلتين مهمتين هما: صنائع الحرب، وصنائع الخير المتمثلتين بدفع الأعداء والعيش بأمان.
أفاد الشاعر من اللونين في جعل المشهد منيراً بانتقائهما، وهما اللذان يؤطران لوحته ويحملان المتلقي على التآلف معهما، ومع دلالتهما المعروفة من ناحية تسليط الضوء على معنى دون آخر، حتى يظهر الممدوح بأبهى حلّة([21]).
وعلى الرغم من تكرار الصورة في الشعر العربي، إلاّ أنّ الشاعر جعل الشطر الثاني موقوفاً على مشهد لوني يمثّل لافتة تبرز طبيعة هذه الألوان ودلالتهما العميقة في التراث الشعري العربي.

