كتاب " اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي " ، تأليف ع
أنت هنا
قراءة كتاب اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي
اللون في شعر المديح النبوي
تغنّى الشعراء في مختلف العصور بممدوحيهم، وخلعوا عليهم ألواناً من الصفات، فوصفوهم بالشجاعة والبسالة والإقدام والكرم والحمية والغيرة وغيرها من الصفات الطيبة، وفيهم من صدق بوصفه نظراً لإعجابه بالممدوح، أو أنّ شهرته حقيقة راسخة لا يمكن إغفالها، وفيهم من تملّق ليصل إلى غاية معينة، كطلب المال، أو المنصب أو غيرها من حوائج فانية.
من جهة أخرى نرى كثيراً من الشعراء يسلكون سبيلاً آخر في اختيار الممدوح، ممدوح لا يبتغون بمدحه عرضاً فانياً، بل يدّخرون بحبّه الأجر والثواب عند الله I، ألا وهو الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، إذ يلجأ الشعراء إلى مدحه عليه الصلاة والسلام إعجاباً وشوقاً لشخصه الكريم، أو بذكر نسبه الشريف، أو تعداداً لصفاته المثلى ومعجزاته، أو طلباً للشفاعة والدعاء، فصفاته أكبر من أن تحصى؛ لذلك استقى الشعراء معانيهم وصورهم من هذا الغرض الشعري، فراحوا يتفنّنون في مدائحهم ويعارضون بغيرها من المدائح.
وما يمكننا أن نلحظه على هذا الفن المنبثق عن غرض المديح الأصلي، هو أنّ المدائح النبوية ((لا تصدر إلاّ عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص، والإيمان العميق بصدق الرسالة المحمدية، والخصال الجيدة التي يتحلّى بها النبي r))([44]).
إنّ الشعراء لا يختلفون في الإجماع على روعة الصفات المحمدية؛ لذا فالشعر هنا يكتسب صفة الصدق في التعبير عمّا يختلج في النفس من مشاعر تُسهم في رسم الصورة الشعرية المبتغاة من هذا المديح، وتحقق صفة التفاعل المشترك بين الشاعر والنص والمتلقّي. ولا يعني هذا أنّ جميع القصائد النبوية ترتقي إلى مستوى متطلّب من ناحية الأداء التعبيري الناجح، فقدرات الشعراء تتفاوت فيما بينهم، فمنهم المُجيد، ومنهم من هو دون ذلك، لأنّ ذلك يرجع إلى إمكانية الشعراء، وسعة خيالهم، وثقافتهم، وغيرها من الصفات التي تميّز شاعراً عن آخر.
لا يمكن أنّ يعدّ المديح النبوي فنّاً شعرياً جديداً ابتكره واستقلّ به شعراء الأندلس([45])، فالمدائح النبوية ابتدأت منذ بزوغ فجر الرسالة المحمدية، لكنّ الذي لا يمكن تجاهله هو ازدهار هذا الفنّ ونموّه في العصر الأندلسي، لاسيّما في عصر الموحّدين، بل إنّ كثيراً من الشعراء عالجوا هذا الفنّ، ومنهم من انقطع إليه انقطاعاً كبيراً([46]).
تقف هذه الدراسة على كيفية توظيف اللون في شعر المديح النبوي الشريف، وكيف أنّ الألوان وموحياتها أسهمت في رسم معالم القصيدة النبوية الأندلسية في هذا العصر، من ذلك قول (ابن جابر الأندلسي ت780هـ)([47]):
كَأَنَّما الشَّمسُ تَحتَ الغَيمِ غُرَّتُهُ
في النَّقعِ حَيثُ وجوهُ الأُسدِ كالحُمَمِ
إِذا تَبَسَّمَ في حَربٍ وَصاحَ بِهِم
يُبكي الأُسودَ وَيَرمي اللُّسنَ بِالبَكَمِ
قَلّوا بِبَدرٍ فَفَلُّوا غَربَ شانِئهِم
بِهِ وَما قَلَّ جَمعٌ بِالرَّسولِ حُمِي
فابيَضَّ بَعدَ سَوادٍ قَلبُ مُنتَصِرٍ
واسوَدَّ بَعدَ بَياضٍ وَجهُ مُنهَزِمِ
يصوّر ابن جابر وجه النبي الكريم r بتشبيه مقلوب، فركّز على موضع محدد في الوجه، وهو الغرّة، ممهداً لمشهد الحرب الكالح.
أفاد الشاعر من تشبيهاتٍ لونية وضوئية أنار بها مشهد الحرب على الرغم من قتامته، فضلاً عن توظيفه التضاد الحاصل بين دلالة اللونين؛ الأبيض والأسود، محدداً بهما صورة النصر والهزيمة، وإن ذكرهما صراحة كمؤكدات أدت دوراً بارزاً في رسم الحدّ الفاصل بين الحق والباطل.
أبرز الشاعر صورة الممدوح ـ النبي r ـ عبر المديات الطبيعية للتكوين اللوني الحاصل من بروز الشمس من بين الغيوم، وقد بدا مبسم النبي r وهو يجلّي هذا المشهد.
وفي موضع آخر يقف (ابن جابر الأندلسي ت780هـ) على توظيف اللون ويفيد من تناوب الأدوار بين دلالات اللونين، الأبيض، والأسود فيقول([48]):
بجاهك تبيضّ الوجوه بشارةً
إذا اغبرّ وجه المنثني عنك واسودّا

