كتاب " بلا بوش " ، تأليف عبد الرحمن الهويش ، والذي صدر عن مؤسسة شمس للنشر
أنت هنا
قراءة كتاب بلا بوش
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
ضحكتُ، قلت لها :
- ومن أي مستوى تراني؟...
قالت :
- مستواك من مستوى كلامي معك...ألم تقل إنه ينم عن تعلم، وعن ثقافة عالية...
قلتُ مضيفًا :
- وفلسفة..
وضحكنا سوية.
توقفتْ السيارة، أيادٍ تطوق ذراعاي، تجرني بقوة، تنزلني من السيارة على أرض صلبة، تجرني إلى الأمام خطوات، تفلتني كزورق صغير في وسط بحر متلاطم لا شاطئ له، أقف منتظرًا، الكيس يحيط برأسي، أحاول أن أرى شيئًا، أن أستبين الأرض التي أقف عليها، ظلام يلف عيني، تطول وقفتي، أشعر بالشمس تضرب رأسي.
قلتُ لها :
- أريدك لي.. لوحدي.. لا أريد أن ترقصي لهم... ولا تقتربي من أحد غيري.
قالت :
- ألم تخبرني أنك تشعر بالحرية عندما تراني، وعندما تقترب مني... قد يكون شعور غيرك مشابهًا... أتريد تقييد حريتهم؟.. أم أنك تسعى للعيش بحرية، وتجعل حريتك قيودًا تحبسهم؟... أم تراها الحرية مكفولة بك وحدك؟... الكل هنا يريد أن يشعر بها... وأن يعيشها.
ـ لكنكِ قلتِ إن هنالك غيرك..
ـ هنالك غيري... وللكل هنا حق الاختيار.. هكذا نحن الغجر؛ نعيش بحرية ونعطي بحرية، ونلهم من يشاء الحرية.. لكننا لا نجبره عليها.. وعلى من يطلبها أن يكون قادرًا على أن يفي بمتطلباتها.
ـ لكنني أغار عليكِ.
ـ بل قل إنك تريد أن تتملكني.. تريد أن تقيِّدني.. أن أكون عبدةً في بلاطك؛ أنام برغبتك، وأصحو بتوقيتك، وأقابل من تسمح.. وأنتظر منك فرصةً كي أشمَّ هواءً غير هواء قصرك... إنك تطلب حرية بمقاساتك أنت.
ـ وكيف السبيل إليك إذًا؟.. فأنا رجلٌ قروي، لا زالت محددات القرية تعشش في تفكيري.. لا زلتُ أرى أن أي رابطة تجمعني معكِ؛ وإن كانت رابطة بسيطة؛ فلابد لها من أن تمحو جميع روابطك الأخرى.
ـ السبيل أن تروِّض نفسك، أن تعلِّمها أن حريتك لا تعني القيود بأيدي الغير.. وأن تجعلها تتيقن أن حريتك تنبع من حرية غيرك... نحن هنا نوجد أجواء الحرية؛ لكننا لا نفرضها فرضًا... هل سمعت يومًا أن غجريًا هجم على مدينة، أو حتى قرية، وحاول فرض طقوس الحرية التي يؤمن بها؟... وهل شاهدت حفلاً غجريًا عند أناس دون رغبتهم؟... وهل وجدت يومًا فرقة غجرية بقيت عند مضيفها فترة أطول من ساعات حفلها الراقص؟... يا حبيبي نحن لا نفرض أنفسنا فرضًا.. نحن نوجد الفرصة، ونوجد الأسباب... ومن يرى أن حريته تتوافر عندنا يأتي إلينا... الحرية لا تُفرض بالقوة.. الحرية تتواجد عندما توجد أسبابها... أما ما يُفرض بالقوة فهو العبودية لا غير.
سحبني أحدهم، كنت أظنه جنديا، خاطبني، كان مترجمهم، قال:
ـ ستخضع للتحقيق الآن... عليك أن تجيب بصدق... لا تحاول أن تكذب، لأنهم يعرفون كل شيء.
كنت أستمع له، لكن ذهني لا زال هناك، عجيب أمر الإنسان، فبقدر ما يتمسك بالدين وبالصلاح في أوقات الشدة والعسر، تهجم عليه رغبات مكبوتة وذكريات مدفونة، طيلة السنوات الماضية لم أتذكرهم كما اليوم، إن للغجر حياة أقرب للحرية.
ـ ليت الامريكان يتعلمون منكم... قلتُ لنفسي
ـ هاه...ماذا تقول؟... ردَّ المترجم بعصبية.
ـ لا شيء... إنني أكلِّم نفسي... قلت.
صمت المترجم لحظات استشعرت خلالها بالريبة التي تتملكه.
مشيتُ لمسافة، أحسستُ بأفول أشعة الشمس المسلطة على رأسي فعرفت أنني دخلت مكانًا مسقفًا، أُجلِستُ على كرسي فشعرت براحة كبيرة؛ مع أن يدي لا زالتا موثقتين، رفعوا الكيس المبتلع لرأسي، فكوا قطعة القماش الملفوفة حول رأسي مغطيةً عيني.. فتحتُ عيني، لا أرى شيئًا، عدتُ أغمضها، ثم فتحتها من جديد.. أمامي طاولة بلاستيكية بيضاء يجلس على طرفها المقابل جندي، أو ضابط، لا أعرف، وعيناه تحدِّق بي، كان في العقد الثالث من عمره، وجه طويل، سحنته حمراء، أنفه دقيق، وله عينا ثعلب، أمامه أوراق مكتوب عليها كلمات بلغة إنكليزية :
ـ What's your name
ـ ما اسمك؟... قال المترجم الذي يجلس على جهته مبتعدًا قليلًا.
ـ شلش... شلش المرهون.
ـ How old are you /
ـ كم عمرك... ؟ قال المترجم.
ـ أربع وخمسون سنة
ـ فيفتي فور... قال المترجم.
ـ .................... سأل المحقق بكلمات لا أعرفها.
ـ ما هي صلتك بالمجموعات الإرهابية؟... أعاد المترجم سؤال المحقق.
ـ ليس لي أية صلة... أجبت.
ـ ................... ترجم المترجم كلامي.
ـ ................... تكلم المحقق.
ـ هل تعرف أحدًا منهم؟... أعاد المترجم.
ـ كلا.. لا أعرف أي أحد منهم.
ـ من قام بضرب دوريتنا في الشارع الملاصق لدارك؟.
ـ لا أعرف... أنا كنت في بيتي وسمعت الانفجار والاطلاقات.


