أنت هنا

قراءة كتاب بلا بوش

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بلا بوش

بلا بوش

كتاب " بلا بوش " ، تأليف عبد الرحمن الهويش ، والذي صدر عن مؤسسة شمس للنشر

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 9

أجفلتني كلماته الأخيرة، وقطع علي ضحكتي المجلجلة، استذكرتها مع نفسي، أعدتُ تذكر صورته وهو يقول : (ينتظرك أمرٌ آخر تقوم به لتبقى رؤوسنا مرفوعة).. ترى ما هو هذا الأمر الذي سأرفع به رؤوسهم؟... شعرت بجسدي كله يرتجف حين افترضته شبيهًا بالأمر الذي رفعتُ به رؤوسهم قبل أيام.

كانت لهفتي لابنتي كبيرة، واشتياقي لها عارم، وحاجتي إلى أن أطمئن عليها مربكة.. فتشت بين الوجوه وأنا أدخل البيت لعلِّي أحظى بوجهها فلم أجده... ارتبكتُ وخفتُ، كان قلقي يزداد مع كل خطوة أمشيها دون أن ألتقي عينيها، الناس تصافحني، وتقبِّلني، كمقاتل جاء من حربه منتصرًا، وأنا أبحث عن (أفكار)... دلفتُ الدار، احتواني حضن والدتي، وقفتْ لتضمني بين ذراعيها كطفلٍ عاد لتوه من ضياع.. إحساس كبير بالأمان شعرت به وأنا بين أحضانها، لكن عيناي لا زالت تفتِّش عن (أفكار)، كانت تقف خلفها، أفلتُ نفسي من بين يدي والدتي وأقبلتُ إليها، احتضنتني باكية، قبلتها، بكت هي، وبكيتُ معها، أحسستُ أنها الوحيدة التي تشعر بهول ما جرى لي، بكينا طويلاً، وقبلتني طويلاً، لكنها كانت حزينة، كان حزنها أكبر من حزني الذي نسيته لحظة لقائها، الدموع تنهمر من عينيها دون انقطاع، سألتها :

- ما بكِ؟... هل جرى لك أي سوء؟

ازداد بكاؤها، أردت أن أتبين السبب.. أعدت سؤالي بغضب :

- هل هنالك شيء؟... هل آذاكِ أحد.. قولي ما بكِ...هيا تكلمي.

توقفت للحظة عن البكاء ونظرت إليَّ، قالت :

- يريدون قتلي.

صدمني كلامها، شعرتُ برغبة كبيرة أن أقوم أنا بالقتل.. أردت أن أقتل من آذاها، ومن يهددها، ومن يريد قتلها.. أردت أن أقتل كل هذا الكذب والزيف والنفاق والوحشية التي بسطت نفوذها وفرضت سيطرتها على سلوكيات المجتمع الجديدة.

سحبني أخي سليمان ناحية غرفة أخرى عندما رآني أقبل هاجمًا عليهم لأعرف سبب تهديدهم لابنتي، وما أن أصبحنا لوحدنا قال لي :

- لقد أخطأتْ ابنتك خطأً كبيرًا، وألحقت بنا العار، الأمر يتعلق بذاك الكلب "سامي" العامل في ورشتك، ولولا أنك غائب لغسل عارها أبناء عمومتها، كانوا يريدون القيام بذلك عاجلاً، لكنني آليت عليهم وأمرتهم أن لا يقدموا على أي فعل حتى تحضر أنت، فتغسل عارنا بيديك... وأنت اليوم رافع كرامتنا، والذائد عن شرفنا.

كانت كلماته خناجر تطعن قلبي، واتهاماتهم مشاهد تتكرر في ذهني لذلك الكرسي الحديدي اللعين، كنت أشعر كل كلمة منها تكبلني، وتدوسني، كان وقعها لا يقل قساوة عن ما فعله السجانون معي.

وقفت مذهولاً لا أعرف ما أقول، مذهولاً من تآمر وحوشهم، ومن تواطئ حملانهم، ومن حكمتهم التي امتهنت السكوت لتغطي جبنها وزيف كلماتها الرنانة.

شعر بذهولي، وبصدمتي، قال :

- يمكننا إصلاح الوضع، بأن نقنع أحد أبناء عمومتها ليتزوجها... ويستر عليها.

هذا هو الأمر إذن، فأما أن يتزوجها (منَّاع)، فيأخذ بالقوة ما فشل بأخذه باللين، ويكسر ذلك الحاجز الذي يشعره بالدونية، وليَبيض بها صفحته السوداء وتاريخه البغيض وليقلب كل موازين الحق والباطل والصح والخطأ، فيكون هو الصح الذي لابد من أن يسير على خُطاه الجميع، وكل ما عداه إنما كان خطأً فادحًا، وتكون هذه النتائج برهانًا له، فتكون (أفكار) جارية عنده.. أو لابد من ذبحها، لتكون مثالاً يعتبر به كل من يقف بوجهه.

اتجهتُ إلى (أفكار) وجدتها كما تركتها، تبكي والدموع تجري أنهارًا على مقلتيها.. ترى هل يحق لي أن أحاسبك عن تهمة أنا نفسي لم أستطع تجنبها؛ وقد تكونين بريئة، فأنا أعرفك وأعلم جيدًا أنكِ بعيدة جدًا من الوقوع بمثل تلك الأخطاء بسهولة، وأنا أعرف نفسي وما جرى لها، وأعرف أنني لستُ بريئًا، فهل أكون مثلهم وأدَّعي الشرف وأقتلك؟... إن ما جرى لي قد جرى لهم كلهم؛ وإن لم يتعرضوا لما تعرضتُ أنا له، فنحن، أنا وهم؛ شركاء في المذلة والهوان.. ومع أن هذا لا يبرِّر لكِ الخطأ، لكنكِ على الأقل تمتلكين نسبة كبيرة جدًا من احتمالية أن تكوني بريئة مما يتهمونكِ به.. أما نحن، فما جرى ويجري لنا كل يوم لهو أكبر دليل على أخطائنا الكبيرة، وعلى تقصيرنا، وعلى استحقاقنا للعقاب أكثر منكِ... وحتى إن كان ما يتهمونكِ به حقيقة؛ فمن يا ترى المقصِّر؟، ومن المتسبب؟. هل هو خطأكِ أنتِ وحدكِ؟ وهل أنتِ السبب كله؟. أم هو من أخذني من بين يديكِ، ليترككِ فريسة لذئاب هو جوَعها؟.. أم أنا عندما سلمت بواقع، ولم أحرِّك ساكنًا في ما يحتمل قلبي من رفض كبير له، فهانت علي نفسي وقبلت أن يتحكم بي وبوطني محتلٌ أجنبي؟.. ويكفي لأتحمل قسمًا من مسؤولية ما جرى لي ولكِ؛ أنني سكنتُ ولم أتخذ موقفًا مشهودًا لأقنع به نفسي، وأقنعكِ أنني قمتُ بواجبي.. أم هم جميعهم عندما شاركوني الرضا بحال الوطن، واذعنوا لواقع الاحتلال وسكتوا عن ذئاب الوطن التي كانت تصطنع السلام، ووجدت الفرصة لتغدر وتهجم على الحملان؟.

إننا كلنا مقصرون، ومتسببون في كل ما جرى، لي ولكِ ولهم جميعًا، فإن أردنا المحاسبة؛ محاسبتك على خطأكِ المفترض؛ فمن الأصح، ومن المنطق أن نحاسب كل من تسبب بتلك الأخطاء قبل أن نحاسب الضحايا.

عدتُ أحتضنها وبكيتُ... جهشت ببكائها، قالت :

- والله يا ابتي... أقسم بغلاوتك عندي، وبروح والدتي؛ أن ما يتهمونني به كذب.

قلتُ لها :

- أصدقِّكِ يا ابنتي، فأنا أعرفك جيدًا، كما أعرفهم... لا تخافي.. سأكون جنبك، ولن أسمح لأحد منهم أن يتكلم معكِ، وبعدها سنرى ماذا سنفعل.

قالت :

- إن كان موتي يرفع رأسك بينهم.. فإنني أقتل نفسي بيدي.. أقتل نفسي ولا أراك تطأطأه.. لكنني لا أريدك أن تظن بي ما يقذفونني به، فأنا بريئة، والله بريئة.

الصفحات