أنت هنا

قراءة كتاب بلا بوش

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بلا بوش

بلا بوش

كتاب " بلا بوش " ، تأليف عبد الرحمن الهويش ، والذي صدر عن مؤسسة شمس للنشر

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 10

شلش( 5 )

كان لابد لي من التحرك بسرعة قبل أن يفلت زمام الأمر من يدي، قلَّبتُ الأمر كثيرًا في ذهني وما وجدت غير طريقين، كلاهما صعب التنفيذ، لكنني مجبرٌ على أن اختار أحدهما، الأول كان أن أطاوعهم وأبقي رأسي بمستوى رؤوسهم التي تصطنع الكبرياء وهي تُداس كل لحظة، فأحمل عاري وعارهم وكل عارات الدنيا، وأضعها برأس ابنتي؛ فأقتلها، فقط ليظنوا للحظاتٍ أن لا عار آخر عليهم غيره، وأنهم قادرون على أن يغسلوا كل العارات التي لحقتهم، وما دروا أن من العار ما لا يغسله حتى الموت... أما الخيار الثاني فهو أن أقتل ابنتي في عقولهم، وأن أُرضي إحساسهم بالحاجة في أن يكونوا شجعانا في وقت بلغ جُبنهم أقصاه، أن ألغي ( أفكار) من واقعهم، وأحتفظ بها في واقعي أنا فقط.

وكان هذا هو خياري الذي عزمتُ عليه: أن ألغي ( أفكار) من واقعهم، وأن أُشبع حاجتهم للإحساس بالتخلص من عارات كثيرة تكدست فوق جباههم بصفقة واحدة هي إيجاد الضحية، ثم التخلص منها.

عندما يكون دورك لتكون المخلِّص فما عليك ألا أن تتحمله، إنَّ كلاً منا يحتاج في حياته إلى عدد كبير من المخلَصين، نحتاج إلى مخلص يتحمل عنا فشلنا، فنرميه عليه.. وإلى مخلص نرمي فوقه أخطاءنا ونحاسبه عليها.. وإلى مخلص يتحمل عذاباتنا بينما نحن نرفل بالسعادة.

أخبرتهم أنني سأتولى الأمر، وسأغسل عارهم، وعاري أنا.. وفي قرارة نفسي كنتُ أتساءل : ( ترى هل سأتمكن يومًا من أن أغسل عاري؛ عاري الذي حطَّ على رأسي يوم دخول المحتل، وعاري الذي احتواني بين قبضات ذلك الكرسي ).

كان صباحًا أسودًا آخر يطل، اصطحبتُها وخرجتُ، طلبت إليها أن تغطي وجهها، أردت أن أهرب بها، لا أعرف إلى أين، لكن لابد من أن أبتعد بها، إلى مكان بعيد لا يصلونه، ولا يعرفها أحد فيه.. فكرَّتُ أن أخرجها من البلد، إلى أي بلد آخر، كان قراري التوجه إلى سوريا، وهنالك أعيش معها، بعد أن أصفِّي كل متعلقاتي، وأبيع ما أملك هنا، فما جدواه إن لم تكن ( أفكار) فيه.. لكن هذا الأمر يحتاج إلى وقت، وإلى تهيئة، فهي لا تملك جواز سفر، وكيف سيتسنى لي أن أراجع بها مراكز إصدار الجوازات، وكيف سيكون الأمر إن صادف ورآني أحدهم بصحبتها، وهم يعتقدون أنما أخذتُها لأدخلها قبرها، ماذا سأقول له حينها، وهل يحتاج القبر إلى جواز سفر؟!.

وجدتُ نفسي استقل بصحبتها سيارة أجرة صوب الموصل، أجرّتُها مخصوص، لي ولها، فكرَّتُ أن استأجر غرفة في فندق ريثما أتدبر أمر جواز سفرها، كان الصباح بدأ ينشر ضوءه على الطريق، ونسيم الهواء البارد يجعل النوم سلطانًا، لكنني حاولت أن أنام ولم أتمكن، جلت بأفكاري وكيف السبيل إلى ما أنا فيه، فتذكرتُ فجأة، وكأن شخصًا نبهني، كنت قد نسيتُ (جواهر) طيلة الأيام الماضية.

عندما تضيق حياة المرء وتواجهه المصاعب فلا يجد خلاصًا منها ترد ذهنه أجمل ذكرياته، ويتمنى يومًا منها، أو ساعة، أو حتى لحظات.

قلتُ لها :

- لقد تعبتُ من بعدكِ عني... أريدكِ عندي.

قالت :

- وأنا الآن عندك.

- لا... إنما أريدك عندي دومًا.

ضحكتْ كعادة الغجر؛ حتى في مصائبهم يضحكون، قالت وكأنها وجدت الحل الأسهل :

- تزوجني إذًا.

فاجأتني... قلتُ :

- أريد أن أتزوجك... لكنني محكومٌ بأعرافٍ تقيِّدني.

أردت أن أستبين مدى جدية ما طرحتَه... قلتُ لها :

- وهل ترضين بي زوجًا لكِ ؟

الصفحات