أنت هنا

قراءة كتاب بلا بوش

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بلا بوش

بلا بوش

كتاب " بلا بوش " ، تأليف عبد الرحمن الهويش ، والذي صدر عن مؤسسة شمس للنشر

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 6

شلش( 3 )

تحقيق بعد تحقيق.. وتسفير من مكان إلى آخر، أماكن كثيرة، وبعيدة، شعرتُ للحظاتٍ أنهم أخذوني خارج العراق... يتغيّر المحققون بين جلسة وأخرى، الكل يحقِّق لوحده، الجيش، والسي أي ايه، والإف بي آي... والأسئلة نفسها: ( ما صلتك بالإرهابيين؟... هل اشتركت في ضرب القوات الأمريكية؟... هل اشتركت في تمويل الإرهابيين؟... ما صلتك بتنظيم التوحيد والجهاد؟ )... وأجوبتي نفسها لم تتغير: لا صلة لي.. لم أشترك في ضرب القوات الأمريكية.. لا، لم، لا أعرف، لا علم لي... والتهم هي هي: ( الإرهاب، تمويل الإرهاب، الانضمام إلى التوحيد والجهاد، ضرب القوات الأمريكية)...

وكانت المحطة الأخيرة: سجن أبو غريب.

في سجن أبو غريب حياة أخرى (إن صح تسميتها بالحياة)، في البداية حسبتُ أنهم سجنوا كل رجال العراق، رجال وأطفال، شيوخ وشباب، أصحاء ومرضى، أناس مقعدون، حتى الخرسان تواجد عدد منهم هناك.. لا بل إنني رأيتُ عددًا من المجانين كانوا من ضمن إرهابيي الحرية الجديدة هناك... ولولا أنني حديث عهد بترك الحياة خارج أسوار السجن، وأنني رأيتُ الأعداد الكبيرة التي تجول شوارع البلد بعد أن حولوه إلى سجن كبير، لقلت إنهم أفرغوا البلاد من الرجال.

دكوني دكًا في زنزانة تسعّ لعشرة أشخاص كحدٍّ أعلى، وكان العدد فيها اثنان وعشرون، كل من فيها تجمعهم هوية واحدة هي عراقيتهم، وتهمة متقاربة - إن لم تكن واحدة - هي رفضهم احتلال بلدهم... لكنهم في الحقيقة كانت قلوبهم شتى، عدوى الاختلاف والتخندق والطائفية نُقلت إليهم، أو قد يكونون هم بؤرتها التي أوجدها المحتل بينهم لينقلوها إلى خارج أسوار السجن بعد خروجهم الذي يحدد ساعته هو... لا أدري.

كردي، عربي، تركماني، سُنِّي، شيعي، وهابي، رافضي، ناصبي، إخواني، إسلامي، ليبرالي، شيوعي، سلفي... مسميات كثيرة ولها فروع.

يقال إن أقوى العلاقات هي تلك التي تنشأ في ظروف القسوة والصعاب.. وهل أقسى وأصعب من السجن ظروف؟. العلاقة بينهم كانت أشبه ما تكون بعلاقة راكبي لعبة "سكة الموت"، الكل يصيح ويبكي مما يتعرضون له، همهم واحد، تشعر أنهم متحدون، وقريبون من بعضهم، وما أن يزول الخطر؛ يعودون أغرابًا، لا أحد منهم يعرف الآخر، كلٌّ يعود إلى ما كان عليه، مثل الأعداء، وقد يتقاتلون فيما بينهم لأجل شخص لم يكن بينهم في محنتهم.

لم أشأ ان أكون ضمن أي خندق من خنادقهم، مع أنني لستُ مخيرًّا بينها كلها.. تقرَّب مني من يظن أنني من طائفتهم، وحاول آخرون أن أكون ضمن تكتلهم.. لكنني آليتُ أن أحتفظ بصفتي العامة التي تربطني بهم كلهم؛ بعراقيتي، وأن لا أنجرَّ إلى صفاتٍ أضيق.. وكانت تلك مخاطرة كبيرة، فالحال في سجن ليس كما الحال في غيره، وإن لم تكن مع مجموعة تحميك فيه، فالكل يكون عدوك.

وللحقيقة عشتُ ليالٍ مرعبة، ومع وحشة السجن وما قد أتعرض فيه، كنت أخافهم جميعًا، لكن خوفي الأشد كان ممن أُحسب عليه أكثر من غيره، فعدم إنضمامي إليهم يعني بالنسبة لهم أني أرفضهم، وأرفض منهجهم، لكن الذي شجعني وأبقاني على خياري الصعب هذا هو تعرفي على ( الحاج خالص).. هو شيخٌ في الستينات من عمره، حين شعر باختياري البقاء على صفتي التي تجمعني مع الجميع، وأحسَّ بخوفي وقلقي المتوحش؛ جاء إليَّ وجلس قربي، قال :

- ابقَ على ما أنتَ عليه.. سيحبك الجميع بعد فترة قصيرة... لكن اصبر... ولا تخف، سأكون قريبًا منك... أنا عانيتُ مما تعانيه أنت الآن... لكنني اليوم معهم كلهم.

الصفحات