أنت هنا

قراءة كتاب حقوق الإنسان في الوطن العربي

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حقوق الإنسان في الوطن العربي

حقوق الإنسان في الوطن العربي

كتاب " حقوق الإنسان في الوطن العربي " ، تأليف د. عدنان السيد حسين و د.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 4

والواقع، أن هذا التباين في الفقه القانوني الأوربي، فيما يتصل بتعريف الحق، قد انعكس أيضاً على موقف الفقه القانوني العربي. فهنا أيضاً، نجد أنفسنا أمام تعريفات عدة، أبرزها -على سبيل المثال- ما يلي:

أ- التعريف الأول، ومفاده أن الحق هو: ((الصلة التي تربط بين طرفين، وتقوم على مصلحة مشروعة)). وقد أخذ البعض على هذا التعريف قصوره المتمثل في عدم اشتماله على الحقوق كافة، حيث إنه ينطبق أساساً على طائفة الحقوق الشخصية التي يتصور فيها وجود علاقة بين شخصين تخول أحدهما سلطة مطالبة الآخر بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل[10].

ب- التعريف الثاني، وأساسه أن الحق هو: ((قدرة لشخص من الأشخاص، على أن يقوم بعمل معين، يمنحها القانون ويحميها تحقيقاً لمصلحة يقرها)). وواضح من هذا التعريف أنه تأثر كثيراً بما ذهب إليه أنصار المذهب الموضوعي سالف الذكر، وإن كان قد استبدل بعنصر المصلحة، ما سماه عنصر القدرة على التصرف بطريقة معينة .

جـ- التعريف الثالث، ومؤداه أن الحق هو: ((المركز القانوني الذي يتمتع صاحبه بميزة يستأثر بها، ويستطيع أن يفرض احترامها على الغير)). وقوام هذا التعريف -في رأي القائلين به- خمسة أمور. فهو:

أولاً، مركز، لأن صاحبه يكون في وضع محدد يختلف به عن الآخرين.

وهو ثانياً، قانوني، لأن القانون هو الذي يقرره وينظمه ويضفي عليه الجزاء الذي يضمن احترامه.

وهو ثالثاً، يعطي لصاحبه ميزة سواء أكانت مادية أم معنوية.

وهو رابعاً، يرتب ميزة لصاحب هذا المركز القانوني مقررة لمصلحته هو.

وخامساً وأخيراً، فإن صاحب المركز القانوني إنما يستأثر وحده بالميزة المشار إليها، ودون سائر الناس[11].

ثانياً- تعريف حقوق الإنسان

انتهينا فيما سبق، إلى تعريف الحق بوجه عام، لغة واصطلاحاً. أما عن حقوق الإنسان وما يتصل بها من حريات أساسية، فقد عرفها بعض الباحثين من أمثال الأستاذ رينيه كاسان -مثلاً- بأنها: ((فرع خاص من فروع العلوم الاجتماعية، يختص بدراسة العلاقات بين الناس، استناداً إلى كرامة الإنسان، بتحديد الحقوق والرخص الضرورية لازدهار كل كائن إنساني))[12].

وذهب الأستاذ كارل فازاك إلى تعريف قريب، حيث عرفها بأنها: ((علم يتعلق بالشخص، ولاسيما الإنسان العامل، الذي يعيش في ظل دولة، ويجب أن يستفيد من حماية القانون عند اتهامه بجريمة، أو عندما يكون ضحية للانتهاك، عن طريق تدخل القاضي الوطني والمنظمات الدولية. كما ينبغي أن تكون حقوقه -أي الإنسان- ولاسيما الحق في المساواة، متناسقة مع مقتضيات النظام العام))[13].

أما نحن، فإننا نميل إلى التعامل مع اصطلاح ((حقوق الإنسان والحريات الأساسية)) بوصفه يشير، بصفة عامة، إلى مجموعة الاحتياجات أو المطالب التي يلزم توافرها بالنسبة إلى عموم الأشخاص، دون أي تمييز بينهم -في هذا الخصوص- سواء لاعتبارات الجنس، أو النوع، أو اللون، أو العقيدة السياسية، أو الأصل الوطني، أو لأي اعتبار آخر)).

ولا شك في أن حقوق الإنسان، بهذا المعنى سالف الذكر، إنما تمثل مساحة وسطاً أو موضوعاً مشتركاً بين أكثر من فرع من فروع العلوم الاجتماعية، وبخاصة العلوم القانونية والعلوم السياسية، ناهيك -بالطبع- عن طائفة العلوم التي اصطلح بعض الباحثين المسلمين على تسميتها بالعلوم الشرعية.

فقوانين العقوبات مثلاً -أو التشريعات الجنائية- تعنى بحقوق الإنسان من زوايا عدة تتمثل -بالأساس- في التوكيد على جملة من المبادئ الحاكمة ذات الصلة المباشرة بهذه الحقوق وما يرتبط بها أن ينبثق عنها من حريات؛ كمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومبدأ شخصية العقوبة، ومبدأ الحق في الدفاع الشرعي، ومبدأ القانون الأصلح للمتهم، والمبدأ القاضي بأن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي إعمالاً للقاعدة الأصولية الإسلامية التي تقرر ((أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر))، ومبدأ التفسير الضيق للنصوص الجنائية. كما عنيت القوانين الخاصة بالإجراءات الجنائية -على وجه الخصوص- بالتوكيد بدورها على ضرورة احترام حقوق الإنسان، من منطلق الاهتمام بتقرير العديد من الضمانات؛ كالحق في الدفاع، واعتبار أن الأصل في الإنسان هو البراءة، أما كل من القانون الدستوري وعلم السياسة بفروعه المختلفة، ومنها على وجه الخصوص فرع القانون الدولي أو قانون العلاقات الدولية، فقد جاءت عنايتهما بحقوق الإنسان متمثلة في وضع الإطار المرجعي لطائفة مهمة من هذه الحقوق، ونعني بها طائفة الحقوق السياسية، كالحق في الانتخاب، وفي الترشيح لشغل الوظائف العامة، والحق في المشاركة في الحياة السياسية عموماً..

وإضافةً إلى ما تقدم، تدخل حقوق الإنسان ضمن نطاق اهتمامات فروع أخرى لعلم القانون؛ كقانون العمل والتشريعات الاجتماعية التي تعنى بهذه الحقوق من جوانب عدة، كالتوكيد على الحق في العمل، والحق في الحصول على أجر متساوٍ، والحق في إنشاء تنظيمات نقابية..

ثالثاً- حقوق الإنسان: بعض المبادئ الحاكمة

لاشك في أن القراءة المتأنية للتشريعات الوطنية والدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، إنما تكشف عن كون هذه الحقوق وتلك الحريات إنما تنظمها مجموعة من المبادئ الحاكمة، والتي يمكن إبراز أهمها، فيما يلي:

1- الأصل في حقوق الإنسان أنها مسألة وطنية داخلية

فعلى الرغم من تعدد مظاهر الاهتمام الدولي بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وخاصة منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى الرغم -كذلك- من التسليم بأهمية الجهود التي بذلت في إطار الهيئات والمنظمات الدولية، بهدف تعزيز هذه الحقوق وتلك الحريات، إلا أن ذلك كله لا يخلع عن حقوق الإنسان منشأها الوطني أو الداخلي.

وتقديرنا، أن هذا المبدأ إنما يجد سنده الذي يسوغه في الاعتبارات الآتية على وجه الخصوص.

فأولاً- أن القوانين والتشريعات الوطنية على اختلاف مستوياتها هي التي اضطلعت بالجهد الأكبر في مجال تقنين حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ووضع الضوابط القانونية التي تكفل تعزيزها وحمايتها. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا في هذا الخصوص -ودون مبالغة- إن جوهر القوانين والتشريعات الوطنية في الدول عموماً، إنما يكمن في حماية الحقوق والحريات المذكورة. ولنأخذ مثلاً، القانونين الدستوري والإداري اللذين يقوم موضوعهما -وفي جانب كبير منه- على تقرير حقوق الأفراد وحرياتهم، سواء في مواجهة السلطة العامة أو في مواجهة بعضهم البعض. وكذلك الحال أيضاً، بالنسبة إلى قوانين العقوبات التي تعنى أكثرية أحكامها بإسباغ حماية شاملة لحقوق الأفراد وحرياتهم، وعلى رأسها: الحق في الحياة، والحق في سلامة البدن، والحق في الشرف والاعتبار.

وثانياً، فإنه مما يؤكد -كذلك- على المنشأ الوطني أو الأصل الداخلي لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، حقيقة أن من بين المصادر الرئيسية التي يعول عليها في دراسة هذه الحقوق وتطورها، إضافة إلى المصادر الدينية السماوية ومبادئ العدالة، أو قواعد الأخلاق والقانون الطبيعي والاتفاقات والمواثيق والإعلانات الدولية ذات الصلة، ذلك المصدر المهم المتمثل في إسهامات الفلاسفة والمفكرين في الدول عموماً، كأفكار فلاسفة العقد الاجتماعي في أوربا مثلاً (هوبز، لوك، روسو)، أو كأفكار بعض المصلحين ودعاة التنوير في بلادنا العربية والإسلامية من أمثال: الإمام محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وقاسم أمين، وسلامة موسى، ومحمد الغزالي، وعلي عبد الواحد وافي..، هذا ناهيك -بطبيعة الحال- عن الأفكار المهمة التي جاءت بها الثورات الوطنية الكبرى كالثورة الفرنسية[14].

ويترتب على اعتبار أن الأصل في حقوق الإنسان أنها مسألة وطنية داخلية نتائج عديدة مهمة، في رأينا:

أما أولى هذه النتائج، فمؤداها أنه مع تقديرنا لإسهامات الفكر السياسي الغربي في مجال حقوق الإنسان، إلا أن ذلك لا ينبغي -بحال- أن يقودنا إلى التسليم بالمقولة التي يتحمس لها البعض ومؤداها أن حقوق الإنسان هذه إنما هي من نتاج هذا الفكر وحده. ومرد ذلك -بحسب اقتناعنا- إلى حقيقة أن عناية الحضارة الغربية بحقوق الإنسان، إنما تعود إلى تاريخ قريب لا يكاد يتجاوز قرنين من الزمان. فمن المقطوع بصحته -بالنسبة إلى أي باحث منصف- أن اهتمام الغرب بهذه الحقوق لم يبدأ -أساساً- إلا في أوائل الربع الأخير من القرن الثامن عشر، وتحديداً مع قيام الثورة الفرنسية عام 1789م، التي وضعت وثيقة مهمة في هذا الشأن عرفت بوثيقة حقوق الإنسان، وذلك من دون التقليل من المؤثرات التي سبقت هذه الثورة ككتابات بعض الفلاسفة والمفكرين من أمثال المفكر الفرنسي جان جاك روسو، وكذلك إعلان الاستقلال الأميركي الصادر عام 1776م[15] .

أما النتيجة الثانية، فمؤداها، أن العمل من أجل تعزيز هذه الحقوق وحمايتها يتعين أن يكون منطلقه الأول هو المجتمع الوطني ذاته، وهو ما يعني -في عبارة أخرى- أن نشطاء حقوق الإنسان والمناضلين على دربها في كل موقع، لابد أن يعملوا من منطلق داخلي أصلاً وأساساً، وأن يحرصوا -من ثم- على أن تكون لهم جذور ضاربة بعمق في أرضية مجتمعاتهم الوطنية.

وترتيباً على ذلك، فإنه لا يوجد ثمة ما يسوغ -بحال- استعداء الآخر الأجنبي على العنصر الوطني، تحت أي مسوّغ كان، حتى ولو كان نتيجة لوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان. فالحرص على سلامة الوطن وأمنه في مواجهة التدخلات الخارجية -بأشكالها المختلفة- يتعين أن تكون له الأولوية المطلقة، وفي جميع الأحوال.

وأما النتيجة الثالثة، فمؤداها أنه مع التسليم بحقيقة أن حقوق الإنسان قد أضحت الآن -بفضل التزايد المطرد في درجة الاهتمام الدولي بها- ذات طابع عالمي، إلا أن القبول بذلك -وبحسب المذهب الذي نراه- لا يعني بالضرورة نفي الخصوصيات الحضارية والثقافية لبعض الشعوب. وبعبارة أخرى، فإذا كان صحيحاً أن ثمة قاسماً مشتركاً على مستوى بعض المفاهيم، فيما بين النظم والثقافات القانونية والسياسية المختلفة، فيما يتصل بقضايا حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، إلا أنه صحيح أيضاً -وبالقدر ذاته- أنه ثمة خصوصيات لا ينبغي -بل وليس من الضروري أو من المصلحة- إغفالها أو التغاضي عنها. وهذه الخصوصيات، قد يكون مصدرها القيم الدينية السائدة مثلاً: (القصاص، أو رفض فكرة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في الشريعة الإسلامية مثلاً)، أو النظام العام والآداب (الحرية الجنسية، أو حقوق الشواذ مثلاً)، أو حتى طبيعة المرحلة من التطور والنمو التي يمر بها المجتمع[16].

واتساقاً مع هذا الإدراك، فإنه يكون من صميم حقوق الإنسان وجوهرها، حق الأفراد المنتمين إلى جماعة معينة أو إلى شعب معين في أن يشعروا بتميزهم، في حدود معينة، عن غيرهم من الجماعات والشعوب الأخرى، ومن دون أن يعني ذلك سمواً لعنصر على حساب الآخر. وأي استنتاج آخر بخلاف ذلك، من شأنه أن يصطدم -في رأينا- وظروف الواقع ومقتضياته، ناهيك عن أنه قد يؤدي في نهاية الأمر إلى إتاحة الفرصة لهيمنة ثقافة أو منظومة قيم معينة على باقي الثقافات أو منظومات القيم الأخرى[17] .

غاية القول، إذن، أن الاعتراف بالخصوصيات الثقافية والحضارية، فيما يتصل بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، لا ينبغي النظر إليه بأي حال من الأحوال باعتباره مناقضاً -من حيث الجوهر أو المضمون- لمبدأ العالمية الذي يجب أن ينصرف فحواه، في رأينا، إلى ذلك القدر المشترك المتمثل في وجود مصلحة إنسانية للجميع في الارتقاء بالحقوق والحريات العامة، وإنما يجب النظر إليه بوصفه يمثل إضافة مهمة في هذا الشأن. فالتوكيد على مثل هذه الخصوصيات وعدم استبعادها من شأنه –ولا شك- أن يفسح الطريق للوصول بحقوق الإنسان والحريات الأساسية -فكراً وممارسة- إلى درجة أبعد مما يمكن أن يتفق عليه أعضاء الجماعة الدولية عموماً. وحسبنا، في هذا الخصوص، وتوكيداً على هذا الاستنتاج، أن نشير إلى الموقف القوي الذي تبنته الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان لعام 1950م، فيما يتعلق بتعزيز هذه الحقوق وحمايتها، مقارنة بالاتفاقيات والمواثيق الدولية الأخرى ذات الطابع العالمي[18] .

الصفحات