أنت هنا

قراءة كتاب حقوق الإنسان في الوطن العربي

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حقوق الإنسان في الوطن العربي

حقوق الإنسان في الوطن العربي

كتاب " حقوق الإنسان في الوطن العربي " ، تأليف د. عدنان السيد حسين و د.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 9

أولاً- الحق في الحياة

يستمد هذا الحق - في نظر الإسلام- أساسه ومصدره من حقيقة أن حياة الإنسان، إنما هي هبة من الخالق عز وجل، ولذلك فإن الاعتداء على هذا الحق يجب أن يواجه بعقوبة مشددة للغاية.

ومن مظاهر حماية الإسلام للحق في الحياة، تحريم القتل العمد للنفس، ودون تفرقة في ذلك بين الرجل والمرأة، أو بين المسلم وغير المسلم، أو بين العاقل والمجنون، أو بين الشريف والوضيع، أو بين العالم والجاهل. وقد ارتقى الإسلام بهذا الحق إلى الحد الذي اعتبر أن الاعتداء عليه يرقى إلى مرتبة الاعتداء على الناس كافة. ومن الآيات القرآنية الدالة على ذلك، قوله تعالى: {..مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلَى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيا النّاسَ جَمِيعا} [المائدة: 5/32]، {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ} [الإسراء: 17/33]، {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 4/29]، {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} [الأنعام: 6/151]، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها} [النساء: 4/93].

ويستدل على حماية الإسلام حق كل فرد في الحياة وفي صيانة نفسه، أنه روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم -في الحديث الصحيح- قوله إنه: ((لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة))[40]. كما يستدل على ذلك أيضاً ما ورد في خطبة الوداع، حيث شدد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم على حرمة النفس ونهى عن قتلها، بقوله عليه الصلاة والسلام: ((.. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وأنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم..))[41].

وترتيباً على ذلك -وامتثالاً لقوله تعالى: {وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 5/45]- يقتل الرجل في المرأة، والبالغ في الصبي، والعاقل في المجنون، والعالم في الجاهل، والشريف في الوضيع، والمسلم في الذمي. كما يقتل الجمع في الواحد إن ثبت تمالؤهم عليه. ويكون المبدأ الحاكم، هنا، هو النزول على مقتضى الآية الكريمة: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 35/18، والزمر: 39/7]. فالعقوبة شخصية، حيث لا مسوغ البتة لأن يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه. فالإسلام، إذن، يحترم الحياة الإنسانية على الإطلاق، وأنه قد شرع عقوبة القصاص حماية لهذه الحياة من القتل، دونما اعتبار لجنس القتيل أو سنه أو منزلته أو ديانته.

أما إذا كان إزهاق الروح الإنسانية على سبيل الخطأ، فقد أوجب الإسلام في شأنه الدية والكفارة على القتيل، وذلك امتثالاً لقوله عز وجل: {وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 4/92].

كذلك، فقد حرم الإسلام قتل الإنسان نفسه بنفسه. وقد ورد النهي عن قتل الإنسان نفسه، في آيات عدة، منها قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 4/29]. كما ورد النهي عن ذلك، أيضاً، في أحاديث نبوية شريفة، منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تحسى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً))[42] .

ثانياً- حق الإنسان في حماية شرفه واعتباره، وفي حريته الشخصية، وفي حرمة حياته الخاصة عموماً

وقد كفل الإسلام هذا الحق للإنسان من خلال تقرير نظام رادع للعقوبات لكبح جماح كل من تسول له نفسه الاعتداء عليه، على نحو ينال من شرفه أو اعتباره، كما في حالات الزنا، وهتك العرض، والقذف، ومن العقوبات التي قررها الإسلام في هذا الشأن: الرجم حتى الموت كما في حالة الاعتداء على شرف الإنسان بارتكاب جريمة الزنا من جانب شخص محصن (أي متزوج)، والجلد مئة جلدة في حالة إذا ما وقع الاعتداء بالزنا من جانب شخص غير محصن (أي غير متزوج)[43] . كذلك، فقد نهى الإسلام بشدة عن الأخلاق الذميمة التي تسيء إلى الإنسان وتنال من كرامته وسمعته؛ كالغيبة، والنميمة، والتجسس، والتنابذ بالألقاب[44].

أما عن الحق في الحرية الشخصية لكل إنسان كحق من حقوقه الأساسية، فحسبنا أن نشير -على سبيل المثال- إلى حرص الشريعة الإسلامية على تحرير الإنسان من قبضة غيره (تحرير الأرقاء).

فالثابت، أنه مع أن الرق -كنظام اجتماعي واقتصادي- قد عرفته ودافعت عنه نظم قانونية عديدة قبل ظهور الإسلام، بل وظل في بعضها، كما في أوربا، حتى نهاية القرن التاسع عشر، فقد جاءت الشريعة الإسلامية -على الرغم من ذلك- لتغلق منافذ هذا النظام ولتفتح أبواب العتق أمام الأشخاص كافة الذين ساقهم سوء حظهم أن يقعوا في قبضة غيرهم من الأشخاص بأي صورة من الصور[45] .

فالثابت، أن القرآن الكريم جاءت آياته خلواً من أي إشارة تبيح الرق، بل على العكس تضمنت هذه الآيات الكريمة العديد من الأحكام التي تدعو إلى عتق الأرقاء. والشيء ذاته نجده، كذلك، بالنسبة إلى السنة النبوية الشريفة، حيث ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أعتق كل من كان عنده من رقيق الجاهلية، وأعتق -كذلك- من أهدي إليه منهم[46].

والواقع، أنه إذا كان قد ثبت عن الخلفاء الراشدين أنهم استرقوا بعض الأسرى، إلا أن ذلك إنما جاء إعمالاً لمبدأ المعاملة بالمثل ليس إلا. فالصحيح –كما يستنتج بعض الباحثين- أن الخلفاء الراشدين لم يبيحوا الرق بجميع أشكاله، على نحو ما جرى عليه العمل في الشرائع السابقة، وإنما حصروه فقط في حالة الحرب المشروعة المعلنة من المسلمين ضد عدوهم الكافر، أما ماعدا ذلك من صور الرق فقد اعتبر -عندهم- مجرماً شرعاً[47].

وقد عالجت الشريعة النظام المذكور بأساليب شتى، منها مثلاً[48] :

1- التوكيد، بداية، على مبدأ المساواة بين بني البشر، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 4/1].

2- التوكيد على مبدأ الأخوة الإنسانية.

3- فتح أبواب الحرية أو العتق أمام الأرقاء، ومنها الكفارات، والتي نذكر منها:

أ) كفارة القتل الخطأ {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 4/92].

ب) كفارة الظهار {وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَماسّا} [المجادلة: 58/3].

جـ) كفارة حنث اليمين {لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عقَّدْتُمُ الأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 5/89].

د) سهم الزكاة {إِنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 9/60].

هـ) فتح الباب أمام إمكانية أن يفتدي العبد أو المسترق نفسه مقابل مال يدفعه إلى من يملكه، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا} [النور: 24/33].

وإضافة إلى ما تقدم، فقد أوصى الإسلام أتباعه بحسن معاملة الأرقاء والإحسان إليهم، ذلك إلى أن يتيسر لهم سبيل العتق، ومن الشواهد الدالة على ذلك، نشير إلى ما يلي على وجه الخصوص[49].

أ- أن الله تعالى أوصى بالإحسان إلى الأرقاء، تماماً كما أوصى سبحانه بالوالدين وذوي القربى، وذلك بصريح النص القرآني: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتامَى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} [النساء: 4/36]. كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، قوله للمسلمين: ((اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم))[50].

ب- نهت الشريعة أن ينادي أحد رقيقه بأسلوب ينطوي على احتقار أو إذلال. وآية ذلك، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقل أحدكم عبدي أو أمتي، وليقل فتاي وفتاتي، وغلامي))[51].

جـ- الأمر بأن يأكل الأرقاء مما يأكل سادتهم وأن يلبسوا مما يلبسون. فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التوكيد على هذا المعنى: ((خولكم، إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم))[52].

4- ويتصل بما تقدم، أيضاً، إقرار الشريعة بحق كل إنسان في حرمة مسكنه وحياته الخاصة، باعتبار أن ذلك من خصوصياته التي لا يجوز للغير -دون إذن منه- الاطلاع عليها.

وقد جاء النص بشأن الحق في حرمة المسكن صريحاً، في قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِها ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 24/27-28]. ومن ذلك، أيضاً، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ولو أن امرأً اطلع عليك، بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح)[53].

ثالثاً- الحق في الحرية الدينية

وتبدو أبرز مظاهر الحماية التي كفلها الإسلام لهذا الحق، في نواح عدة، منها ما يلي على وجه الخصوص: فمن ناحية، هناك المبدأ العام الحاكم الذي يقضي بعدم جواز إرغام أي إنسان على ترك دينه واعتناق الإسلام. فالقاعدة، أنه: {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 2/256]، وأيضاً: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 10/99]. ومن ناحية ثانية، هناك -أيضاً- المبدأ الذي يشدد على وجوب التحلي بالحكمة والتزام الموضوعية عند دعوة غير المسلمين لاعتناق الإسلام: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} [النحل: 16/125]، {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 29/46].

الصفحات