أنت هنا

قراءة كتاب حقوق الإنسان في الوطن العربي

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حقوق الإنسان في الوطن العربي

حقوق الإنسان في الوطن العربي

كتاب " حقوق الإنسان في الوطن العربي " ، تأليف د. عدنان السيد حسين و د.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 10

المبحث الثاني: حقوق الإنسان وحرياته من منظور علاقته بالجماعة السياسية

الملاحظ، هنا، أن الشريعة الإسلامية قد أسست علاقة الفرد بالدولة، أو الجماعة السياسية التي يعيش في كنفها على مبادئ حاكمة عدة، يأتي في مقدمتها: مبدأ الحرية، ومبدأ العدالة، ومبدأ التضامن. واستناداً إلى هذه المبادئ، تصير الجماعة الإسلامية مسؤولة بالتضامن عن كفالة مجمل الحقوق والحريات التي يلزم توافرها لأي فرد، لكي يمارس حياته في إطارها بشكل طبيعي.

والحقوق التي قررها الإسلام للإنسان، باعتباره فرداً يعيش في إطار جماعة منظمة عديدة، نذكر منها مثلاً:

أولاً- الحق في المساواة في القيمة الإنسانية العامة

والمبدأ هنا، هو أن الناس سواسية بحسب خلقهم الأول وعناصرهم الأولى، ولا مجال -من ثم- للمفاضلة بينهم إلا على أساس اعتبارات الكفاءة، وما يقدمه كل منهم من جهد مشروع منتج. فالنظرية الإسلامية في حقوق الإنسان تنهض على مبدأ حاكم مؤداه عدم التمييز بين حقوق الإنسان المسلم وحقوق الإنسان غير المسلم، وذلك كقاعدة عامة. وعلى ذلك، فلعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا -في هذا المقام- إن حقوق الإنسان في الإسلام، إنما هي ذات طابع عالمي، وهي بذلك تكون قد سبقت الأفكار التي بدأت تطرح مؤخراً عن عالمية هذه الحقوق.

وقد جاء التوكيد على الحق في المساواة في القيمة الإنسانية العامة في مواضع عدة من آيات الكتاب الكريم، منها قوله تعالى في سورة الحجرات: {يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 49/13].. ومن هذه الآيات الكريمة، أيضاً، قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ} [المائدة: 5/8].

كما ورد التوكيد على الحق المذكور، أيضاً، في الحديث الجامع للرسول r في خطبة الوداع، ونصه: ((أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب. وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر، فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب))[54].

والواقع، أن المساواة في القيمة الإنسانية العامة بين الناس جميعاً، في نظر التشريع الإسلامي، تبدو جلية للغاية إذا ما قورنت بما كان عليه الحال –ولا يزال- في ظل الشرائع والنظم القانونية الوضعية، على امتداد الزمان. ولعل من الأمثلة ذات الدلالة، في هذا الشأن، الحالات الثلاث الآتية[55]:

فأولاً، هناك حالة الهند القديمة، التي كانت كتبها المقدسة تفاضل بين البرهميين -أتباع براهما- وبين غيرهم من الأفراد. أما البرهميون، فهم وحدهم الذين كان يحق لهم التمتع بالحقوق كافة. أما ما عداهم من المنبوذين، فليس لهم إلا أن يكونوا خدماً لغيرهم، حيث إنهم -أي المنبوذين- ((رجس ونجس، فلا يصح لمسهم ولا مؤاكلتهم، ولا مصاهرتهم، ولا الارتباط بهم بأية علاقة غير علاقة السيد بالمسود.

وثانياً، هناك حالة اليونان الأقدمين، الذين كانوا يعتقدون أنهم وحدهم شعب الله المختار، وبذلك فهم يسمون على غيرهم من الشعوب الأخرى الذين أطلقوا عليهم اسم البرابرة. وواجب اليونانيين أن يعملوا بمختلف الوسائل على أن يردوا هؤلاء البرابرة إلى المنزلة التي خلقوا لها وهي منزلة الرق، وأي حرب يشنها اليونانيون لهذا الغرض إنما هي حرب مشروعة.

وثالثاً، هناك حالة الرومان الذين كانت قوانينهم ونظمهم الاجتماعية تصنف سكان الإمبراطورية إلى مجموعتين من البشر لكل منها قانونها الخاص الذي يحكمها: الرومان من جهة، وما عداهم من الشعوب من جهة أخرى. وهذه الشعوب الأخرى -خلاف الرومان- فقد خلقت -بحسب القانون الروماني- من فصيلة إنسانية وضيعة، وأنها خلقت ليكون أفرادها رقيقاً للرومان.

ثانياً- الحق في حرية الرأي والتعبير

يحتل هذا الحق مكانة مهمة في التشريع الإسلامي، حيث شدد الإسلام على وجوب أن يكون الإنسان حراً في إبداء رأيه في التعبير عن موقفه، إزاء كل ما يتصل بشؤون مجتمعه، وإزاء كل ما هو حق وعدل. بل الأكثر من ذلك -وكما سنرى لاحقاً- فإن مباشرة الحق في حرية الرأي والتعبير تتجاوز النطاق الضيق لمفهوم الحق، الذي يشير إلى كونه مكنة أو سلطة لصاحبه له أن يباشره وله أن يتنازل عنه، ليرقى إلى مرتبة الواجب الذي يلزم الوفاء به حتى لا يكون ثمة مجال للتأثيم أو المؤاخذة[56].

وإذا عدنا إلى المصدرين الرئيسيين للشريعة الإسلامية (أي القرآن الكريم والسنة المطهرة) فإننا نجد إشارات صريحة بشأن التوكيد على لزومية الحق المذكور لكل إنسان. ومن ذلك، مثلاً، قوله تعالى في الحث على إبداء الرأي والوقوف بشجاعة إلى جانب الحق والعدل: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر} [آل عمران: 3/104]. أما عن الأحاديث النبوية الشريفة التي شددت على وجوب إبداء الرأي بشجاعة ودون خوف، متى كان ثمة مقتض لذلك، فهي عديدة، نذكر منها قوله r: ((أفضل الجهاد، كلمة حق عند سلطان جائر))[57] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))[58]. ويتصل بذلك أيضاً، ما أخبر عنه r من أن: ((الساكت عن الحق شيطان أخرس))[59]. كما روي عنه صلوات الله وسلامه عليه، أنه كان يحث الناس على المجاهرة بالرأي، قائلاً: ((لا يكن أحدكم إمعة: يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجنبوا إساءتهم))[60]. وتوكيداً على هذه المعاني ذاتها روي عنه r -أيضاً- أنه قال: ((كلا، والله لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على يدي الظالم، ولتأطرُنَّه على الحق أطراً، ولتقصرُنَّه على الحق قصراً، أو ليضربَنَّ الله قلوب بعضكم على بعض))[61].

على أن الحث على ضرورة مباشرة الحقوق عموماً مرهون بقدرتها على الاضطلاع بوظيفتها الاجتماعية. وتأسيساً على ذلك، كان حرياً بكل فرد أن يحرص على إبداء رأيه متحلياً بأدب الحوار وبالاحترام الواجب لمن يخاطبهم. لا يسوغ للفرد -بأي حال من الأحوال- أن يسعى من خلال مباشرته لحقه في حرية الرأي والتعبير إلى تجاوز منظومة القيم المجتمعية السائدة أو الاستخفاف بها.

ثالثاً- حق الملكية

نظرت الشريعة الإسلامية إلى حق الملكية بوصفه إحدى القيم العليا التي ينبني عليها التنظيم الإسلامي للمجتمع. وترتيباً على ذلك، اعترف الإسلام بحق كل فرد في التمتع بثمار عمله وجهده، فلكل مجتهد جزاء اجتهاده. وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رغب في العمل الذي من شأنه أن يعف الإنسان عن المساءلة، بقوله: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده))[62]. كما تضمنت الشريعة أحكاماً صريحة تحمي هذا الحق وتجرم الاعتداء عليه، سواء بالسرقة، أو النهب، أو الاختلاس، أو المصادرة بغير مقتض وبدون تعويض مناسب وعادل، وقد جاء النص على حماية الحق في الملكية صريحاً في أكثر من موضع في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، كما في قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ} [النساء: 4/29].. كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: ((من أخذ مال أخيه بيمينه، أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة))، فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال r: ((وإن كان عوداً من أراك))[63].

لكن الإسلام أجاز مع ذلك إيراد بعض القيود على حق الملكية، سواء تحقيقاً لمصالح عامة أو للحيلولة دون الإضرار بالغير. وبعبارة أخرى، فالثابت أنه مع أن الشريعة الإسلامية قد كفلت لصاحب الحق التصرف في ملكيته بالطريقة التي يراها دونما إضرار بالآخرين، إلا أنها -وكما سنرى لاحقاً- أقرت مبدأ التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، معتبرة أن الحق في الملكية ذو وظيفة اجتماعية بالأساس، ومن ثم فلا يجوز حبسه في أيدي فئة قليلة من الناس[64].

رابعاً- الحق في الضمان الاجتماعي

أقرت الشريعة الإسلامية الحق في الضمان الاجتماعي بوصفه واحداً من حقوق الإنسان الأساسية، تحريراً له من عبودية الحاجة، واستئصالاً للبؤس والفقر بين الناس. ويأتي هذا الاعتراف من جانب الشريعة بالحق في الضمان الاجتماعي، في حين أن الشرائع الوضعية لم تعرفه إلا حديثاً، نتيجة لصراعات ومشكلات اجتماعية نجمت عن تطورات الثورة الصناعية في أوربا، والتي انتقلت منها بعد ذلك إلى العديد من مناطق العالم[65].

ويشير اصطلاح الضمان الاجتماعي -بحسب النظرية الإسلامية- إلى التزام الدولة تجاه مواطنيها، بتقديم العون والمساعدة لهم في بعض الحالات كالمرض أو العجز أو الشيخوخة، دون أن يكون لهم مورد رزق يضمن لهم حد الكفاية. فالدولة أو الجماعة، في النظرية الإسلامية، ملتزمة شرعاً بضمان (حد الكفاية) لكل فرد من أفرادها -بصرف النظر عن دينه أو أصله الوطني- يعجز عن إشباع احتياجاته الأساسية بنفسه، لسبب خارج عن إرادته[66].

ويستدل على ثبوت الحق في الضمان الاجتماعي كحق من حقوق الإنسان -في النظرية الإسلامية- بما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من آيات وأحاديث[67]. فمن الآيات القرآنية الكريمة التي أشارت إلى الحق المذكور، قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 107/1-3]؛ وقوله جل شأنه في آية أخرى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتامَى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاة} [البقرة: 2/177]. أما عن الأحاديث النبوية الشريفة، فمنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع إلى جواره وهو يعلم))[68] ؛ وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم في المدينة، حملوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم))[69].

والواقع، أن الإسلام -فيما يستنتج د. الفنجري وبحق- لم يكتف بمجرد النص على الحق في الضمان الاجتماعي، وإنما عمل على ترجمة ذلك -عملاً- من خلال تشريع نظام خاص بهذا الشأن، ونعني به نظام الزكاة التي هي -في جوهرها- مؤسسة للضمان الاجتماعي[70] . فمن المقطوع بصحته أن إحدى الوظائف الرئيسية لمؤسسة الزكاة، في النظرية الإسلامية، إنما تتمثل في ضمان مستوى معيشي لائق لكل أفراد المجتمع.

الصفحات