كتاب " حقوق الإنسان في الوطن العربي " ، تأليف د. عدنان السيد حسين و د.
أنت هنا
قراءة كتاب حقوق الإنسان في الوطن العربي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
المبحث الثاني : مصادر حقوق الإنسان
من المسلم به، بصفة عامة، أن تطور الاهتمام الوطني والدولي بالفرد وحقوقه وحرياته الأساسية، والذي بلغ الآن درجة لم يعهدها من قبل، إنما يرتد من حيث الأصل إلى ثلاثة أنواع من المصادر، هي[24] : المصادر الدينية، والمصادر المتمثلة في نتاج الفكر الإنساني وإسهامات الفلاسفة والمفكرين السياسيين وقيم الثورات الإنسانية الكبرى، ثم المصادر الاتفاقية وقوامها الاتفاقات والمواثيق والإعلانات الدولية -العالمية والإقليمية- ذات الصلة بهذه الحقوق، والتي تشكل الآن -وفي مجملها- فرعين جديدين من فروع القانون الدولي العام، ونعني بهما: القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني.
أولاً- التعاليم الدينية كمصدر لحقوق الإنسان
لاشك في أن المصادر النابعة من الأديان السماوية ينظر إليها -من جانب بعض الباحثين وبحق- بوصفها هي التي وضعت الأساس الفكري أو النظري لحقوق الإنسان. ولسنا هنا بحاجة إلى التوكيد على حقيقة أن من بين القيم العليا، أو المبادئ الحاكمة في الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام، المبدأ القاضي بوجوب احترام حقوق الأفراد جميعاً، دون أي تفرقة بينهم، لأي اعتبار كان.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا، في هذا الخصوص، إن ما نص عليه -مثلاً- في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948م، وفي العديد من الإعلانات والمواثيق التالية ذات الصلة بحقوق الإنسان، بشأن عدم جواز التمييز في المعاملة بين الأفراد لأسباب متعلقة بالجنس، أو الأصل الوطني، أو العرقي، أو الانتماء السياسي، ما هو إلا أمر كاشف عما نصت عليه - قبلاً- هذه الأديان السماوية[25] .
وإذا أخذنا وجهة نظر الإسلام أو موقفه، كمثال لموقف الأديان السماوية، فيما يتعلق بالتوكيد على وجوب احترام حقوق الإنسان وإقرار الضمانات اللازمة لكفالة التمتع بها، فإننا ننتهي إلى القول بأن هذا الموقف قد تحدد إجمالاً من خلال النظر إلى هذه الحقوق من جوانب رئيسية ثلاثة، هي:
الجانب الأول: وهو الذي يتعلق بالنظر إلى الإنسان بصفته فرداً، تعترف له الشريعة بمجموعة من الحقوق والحريات، التي لا غنى له عنها، والتي يتعين الإقرار له بها استناداً إلى هذه الصفة.
والجانب الثاني: ويتمثل في نظرة الشريعة إلى ما ينبغي أن يتمتع به الإنسان -من حيث علاقته بالدولة أو الجماعة السياسية التي يعيش في كنفها- من حقوق وحريات.
وأما الجانب الثالث، فيتعلق بالحماية الخاصة التي كفلها الإسلام لبعض الأفراد والجماعات استناداً إلى بعض الاعتبارات الخاصة.
ثانياً- الفكر الفلسفي - السياسي وقيم الثورات الكبرى كمصدر لحقوق الإنسان
كما نوهنا سلفاً، فإن من بين المصادر المهمة ذات الصلة بتطور حقوق الإنسان والحريات الأساسية للأفراد، المصدر المتمثل في نتاج الفكر الإنساني وإسهامات الفلاسفة والمفكرين السياسيين والثورات الإنسانية الكبرى، منذ نشأة المجتمعات السياسية المنظمة، وعلى مر العصور.
أما فيما يتعلق بنتاج الفكر الإنساني وإسهامات الفلاسفة والمفكرين السياسيين، فيمكن القول إن الأدبيات ذات الصلة قد صنفت إلى مدارس رئيسية ثلاث، هي[26]:
1- مدرسة القانون الطبيعي، التي انطلقت من فكرة أساسية مؤداها أن أي إنسان يعيش في جماعة منظمة، إنما يلزمه التمتع بمجموعة الحقوق التي يستحيل عليه الحياة بدونها. وتوصف هذه الحقوق بأنها حقوق مصدرها القانون الطبيعي، الذي ينظر إليه بوصفه المرجع الأعلى للحقوق والواجبات. ويعتبر فلاسفة نظرية العقد الاجتماعي -هوبز ولوك وروسو- من أبرز المفكرين الذين أسهموا في إثراء فكر هذه المدرسة كمصدر لحقوق الإنسان. وبحسب آراء هؤلاء المفكرين، تقوم فكرة (الحقوق الطبيعية) على ركائز أربع، هي:
أولاً- أن هذه الحقوق سابقة من حيث نشأتها على الوجود السياسي للجماعة (الدولة)، وهو ما يعني أن ثمة مسؤولية تترتب على هذه الجماعة (الدولة) تقضي بوجوب احترامها وعدم المساس بها.
وثانياً- أن أي تناقض يقوم بين سلطة الجماعة (الدولة) وبين حقوق الأفراد وحرياتهم، يتعين أن يتم حسمه لمصلحة هذه الأخيرة، باعتبار أن الغاية من وجود الجماعة السياسية (الدولة) إنما هي حماية هذه الحقوق وتلك الحريات.
وثالثاً- أن مبدأ الحرية يشكل قاعدة الوجود السياسي، وهو ما يعني أن سلطة الدولة مقيدة لمصلحة حقوق الأفراد وحرياتهم.


