كتاب " رباعيات مولانا جلال الدين الرومي " ، ترجمة عيسى علي العاكوب ، والذي صدر عن
أنت هنا
قراءة كتاب رباعيات مولانا جلال الدين الرومي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وليس في مقدور أحدٍ إنكارُ أنّ مسيرة البشرية تشهد دائمًا تغيّرًا في قبول الحقّ والازورار عنه، ويتولّى المبدِعون في مجال الكلمة الجميلة جزءًا كبيرًا من انصراف الأجيال عن الحيّ القيوم، من لا تأخذه سِنة ولانوم، ومَنْ له ما في السّماوات والأرض. وحالُ الأديب الصّادّ عن دين الله كحال مَنْ وُضِع بين يديه أدواتُ البناء والتمكين فأخذ يهدم ويخلخل. وهي حالٌ غريبة حقًّا، غريبٌ ما فيها. ولعلّ العلاّمة محمد إقبال، شاعر الباكستان وشاعر الإسلام الكبير، عنى ذلك حين قال في «الشكوى»:
ما بالُ أغصانِ الصّنوبرِ قدْ نأتْ
عنها قماريها بكلّ مكانِ
وتعرّتِ الأشجارُ مِنْ حُلَلِ الرّبى
وطيورُها فرّتْ إلى الوديانِ
ياربّ، إلاَّ بُلبلاً لم ينتظرْ
وَحْيَ الرّبيعِ ولا صَبا نيسانِ
ألحانهُ بحرٌ جرى متلاطمًا
فكأنّه الحاكي عن الطّوفانِ
يا ليتَ قومي يعلمون شكايةً
هي في ضميري صَرْخةُ الوجدانِ
إنّ الجواهِرَ حيّرتْ مرآةَ هـ
ـذا القلْبِ، فهو على شفَا البركانِ
أسمعهمُو ياربّ ما ألهمتني
وأعِدْ إليهم يقظةَ الإيمانِ
أنا أعجميُّ الدّنِّ لكنْ خمرتي
صُنعُ الحجاز وكرمِها الفَيْنانِ
إن كان لي نغَمُ الهنودِ ولحنُهم
لكنّ هذا الصّوتَ مِنْ عدنانِ
إنّنا على يقين تام أنّ بين ما يُنسب إلى الأدَب ضربًا في مقدوره أن يبهج الإنسان ويحرّره من نوازع الإخلادِ إلى الأرض والرّضا بيسيرٍ من فُتات مائدة هذه الدّنيا. والمتوافرُ منه في تاريخ الثقافة الإنسانية ليس بالقليل، لكنّ احتراف الشرّ والدعوة إليه وتجميل صورته البغيضة ممّا شاع ووجَد أنصارًا ودُعاةً ورُعاةً منذ أن فقدت الأمّةُ زمام المبادرة والإقدام وصارت تَبَعًا مقلّدًا، تنطبق عليه أحكام القطيع المعروفة.
إنّ الأمّة لتبخع نفسها بخنجرها حين يتهيّأ من بنيها المتميّزين مَن لا يرقُبون فيها إلاَّ ولا ذمةً، فتراهم يُمطرون أجيالها بكلّ نشاز وماحِق لِقِيَم الحركة المبدِعة الخلاقة المضاعِفة لإنسانية الإنسان وأُنسه بقُربه من ربّه سبحانه. وإنّ ما ينبغي أن يُختار ويُقدَّم لناشئة الأمّة من أمثلة الكلمة الطبية هو ما أبدعه الإنسانُ في لحظات سموّه وإشراقه، وليس في لحظات إسفافه وانحطاطه واستبداد هواه به.


