أنت هنا

قراءة كتاب صمت يتمدد

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
صمت يتمدد

صمت يتمدد

كتاب " صمت يتمدد " ، تأليف سليمان الشطي ، والذي صدر عن دار المؤسسة للدراسات والنشر .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 6

أحسست أن ما يخطط له يحيى وجماعته أصبح قريبا· هل من حقي أن أسأل، كان أجمل ما في علاقتنا أن كل واحد منا يقبل من صاحبه ما يريد صاحبه أن ينقله إليه· ليس من حق أي واحد، أنا ويحيى، أن يطلب المزيد إذا لم يكن الطرف الثاني مستعدا للبوح· تكفي من أي واحد منا كلمات الهمهمة والدوران من بعيد حول المعاني·

صرح لي يحيى بأن ما يعجبه مني أنني لا أحاول أن آخذ ما ليس لي وأكتفي بما يقال لي لا أطلب المزيد· وهذا ما يعجبني من يحيى أنه أيضا يحكم لسانه· خُلِق حذرا دون أن يشعرني بحذره، اكتسبت هذه الخصلة طبعا أو تعوّدا· ليس عندي شيء ولا أطلب شيئا· هل كان اختيار سالم لي لأكون رفيقا ليحيى هو لهذا السبب؟· كنت أخشى الكلمات منذ أن سمعت كلمات عيسى· أحسست أنني أخرج عن اختياري وأسأله:

- أرى أنك تفكر بعمل··

لم يتأخر رده ليقول لي: أنت تعلم أنني منذ أن جئت إلى هنا وأنا أفكر كيف أعمل··

لمحته ينظر بعيدا وهو يقول: العمل السياسي ضد التثاؤب، إذا لم تبادر سبقك الآخرون·· نحن في سباق محموم··

فكرت بدلال: كيف أسبق الآخرين، هل آن أوان التحرك··لا تزال هناك مسافة لابد من أن أقطعها كي أصل إليها الوصول الأخير حيث الغاية التي أبحث عنها وأحلم بها· لا أدري ما هي المسافة المتبقية ليحيى كي يصل إلى هدفـه، ولكنه يتقدم رغم ما ألمسه من حزن وألم يبدوان على وجهه· تأتيه الأخبار فيزداد كآبة· ينهض معها بريق غريب في عينيه، لعلها رغبة الوصول· الانتقام محتمل فقد شرح لي طبيعة الصراع عندما توالت أخبار الاعتقالات والتصفيات· رأيته يستمع إلى الأخبار يستغرب، يذهل، ثم يردد حديث الموت· كان القتل عندي حالة تثير تقلب الأحشاء حين أفكر فتأتي صورة الأجساد المسجاة حيث سلبت منها الحياة واستلت منها الحركة··

مال إلي في حركة تمثيلية وكأنه يسر بشيء

- آخر الليل مفتاح النهار·· ظلامه إشارة مبهمة ليوم قادم لا صورة له··

قلت له وأنا أنظر إلى ظلام بين شجرتين:

- الليل صديق المعربدين واللصوص··

- الليل صديق الثوار··

وقف والتفت إلي:

- ولكن ابن الكلب هناك صديق لليل لا ينام إلا فجرا··

أشار إلى عربة في آخر الشارع

- أصحاب عربات السندويتشات والخبازون هم طلائع ثورة الفجر··

ردها عليّ بسرعة وبضحكة أخرجته من عالمه المكتئب:

- أنا الثائر وأنت أين تقف؟·· مع المعربدين أو اللصوص·

- مع العاشقين··

لم يعلق على ما ند مني عفو الخاطر·

كانت تلك السهرة هي سهرة يحيى الأخيرة معي فقد كان يغيب شهورا وأحيانا سنوات ليأتي صوته مرة أخرى ليقول مبادرا بضحكته العالية:

- نحن نبعث دائما·· شمسنا لا تغيب··

التقينا مرة أخرى بعد خمس سنوات، بدا يحيى لي أقل طولا من صورته التي كانت ذاكرتي تحتفظ بها· استدار جسمه، حافظ على شعر رأسه الكثيف، ظاهر عباراته تبدو أكثر انفتاحا ولكن فيها تحفظًا مدروسًا، منسجمًا مع زمن الانقلابات التي كان من صناعها· نوعية جديدة من القادة، لسان خشن غير الذين عرفتهم من قبل، هؤلاء كلما صعدوا إلى الأعلى تتضاءل فيهم الكلمات الناعمة التي عهدتها الدبلوماسية، تغيرت طبيعة ولغة الحوار· كانت الشراسة هي الأبرز في سلوك يحيى الجديد وكلامه·· ولكنه ظل شعلة تنقل نارها معها إلى كل مكان، تدفعه في كل اتجاه، أضاءت ما حولي من جديد ووهجتني بعد سنوات من الخمول·

الصفحات