كتاب " رسائل حب بالأبيض والأسود " ، تأليف طلال زينل سعيد ، والذي صدر عن منشورات الضفاف للنش
أنت هنا
قراءة كتاب رسائل حب بالأبيض والأسود
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وهكذا ظللت ضائعاً أبحث عن شيء مفقود لا أعرف ما هو، حتى بلغت مرحلة الدراسة المتوسطة حيث عاد قبلها أبـي بسنوات من رحلته العلاجية، وكنّا في وضع معيشيّ معقول نسبياً إذ كان أبـي لا يألو جهداً في أن يرتّب وضعنا على نحو مقبول، ولم يكن هذا مما يدخل في دائرة اهتماماتي كثيراً حيث كنت مشغولاً بشيء آخر، وكنت في هذه المرحلة مهووساً بالمجلات التي بوسعي الحصول عليها من أيّ مصدر كان، أقرأها بنهم ولذّة من الغلاف إلى الغلاف وكلما التقطت عنواناً لشركة أو مؤسسة أو مجلة أو نادٍ ثقافيّ أدبّج فوراً رسالة وأبعثها بالبريد.
على هذا النحو تشكّلت علاقتي بدائرة البريد وموزّع البريد، إذ كان المكان والإنسان فيهما مصدراً أساساً من مصادر سعادتي المتواضعة حينها، وربما كانت رغبتي في الكتابة هي التي تقودني إلى تمثيلها عن طريق كتابة الرسائل بشكل مستمر، إذ كنت أكتب رسالة في كلّ يوم على الأقل، وانعكس هذا التدريب الفطريّ غير الواعي على أسلوبـي في الكتابة فكنت من أفضل طلبة المدرسة في كتابة الإنشاء، وهو الدرس الذي يَختبرُ فيه مدرّس اللغة العربية قابلية الطلبة على التعبير، وفعلاً فوجئ الكثير من المدرسين بطريقتي في الكتابة وكانوا يطلبون مني قراءة موضوعي أمام الطلبة كي يكتشفوا إذا ما كنت قد نقلته من مرجع أو كتبه لي أحد ممن يجيد الكتابة.
كتبت أول قصيدة وأنا في الصف الثالث المتوسط، أي بعمر 15 سنة تقريباً، ثم بعدها بقليل اكتشفت مع صديقي أحمد جدوع- الذي كان شاعراً أيضاً- نـزار قباني والبياتي، ورحنا أنا وهو نكتب قصائد يومية في المدرسة، ونتبادل الأفكار التي كنا نقول عنها فلسفية، إذ هو يكتب فكرة وأنا أعلّق عليها، ثم يعود هو ليعلّق على ما أكتب، وهكذا، وكنا نلمس من بعض الأساتذة المختلفين شيئاً من التشجيع، لكننا مع كلّ المضايقات التي كنا نتعرض لها بسبب نـزار قباني أو الشعر الحديث مضينا في مشوارنا، غير أنّ صديقي أحمد للأسف توقّف مع من أنه كان يتفوّق عليّ في موهبة أخرى يمتلكها وهي الرسم، ولا أدري لماذا كنت أحلم دائماً أن أصبح رساماً غير أنّ الفرشاة اللئيمة كما يبدو لم تخلق لأصابعي، وهكذا ظلّ هذا الحلم رهين رغبة خامدة لم يكتب لها التفتّح أبداً.
أنهيت دراسة البكالوريا في الفرع الأدبيّ الأول على دفعتي في ((ثانوية زمّار للبنين)) بمعدل قارب الـ85%، وكان هذا المعدّل يؤهلني بطبيعة الحال لدخول أيّة كلّية مخصّصة للفرع الأدبيّ، واخترت كلّية التربية في دورتها الأولى حيث كانت كلّية الآداب التي عزمت على دخولها أولاً قد توقفت عن قبول الطلبة في ذلك العام، ودخلت قسم اللغة العربية الذي كان يلائم تطلعاتي في الكتابة والقراءة الأدبية، وأقمت مع ثلة من أصدقائي الزماريين في الأقسام الداخلية داخل بناية الجامعة، وكتبت أول مقال عنوانه ((الملامح الصوفية في شعر البياتيّ)) نشرته لي مجلة الجامعة التي كانت منبراً ثقافياً مهماً في الزاوية الطلابية، وقد تقاضيت عليه مبلغاً قدره خمسة دنانير يمكنه بكلّ بساطة أن يغطي نفقاتي البسيطة مدة أسبوعين، واستمررت في ذلك، ووجدت فيما بعد مجالاً آخر للنشر مقابل مكافأة جيدة في جريدة ((الحدباء)) الثقافية الموصلية التي نشرت لي عشرات المقالات والقصائد، وهكذا وجدت شيئاً من ضالتي.
كانت ثمة مسابقة ثقافية مهمة لطلبة الجامعة مخصصة لكتابة البحوث الأدبية، اشتركت فيها أول مرة وأنا طالب في السنة الثالثة ببحث عنوانه ((الليل في شعر البياتيّ))، وفاز بالجائزة الأولى، ونشره بعد ذلك أستاذي الدكتور عمر الطالب- الذي كان يرعاني بقدر علاقة الأستاذ بتلميذ جيد- في متن مجلة الجامعة بوصفه مديراً للتحرير، وتسلّمت عليه شيكاً بمبلغ خمسين ديناراً، وكان هذا المبلغ بالطبع ثروة، ثم في السنة الرابعة اشتركت ببحث عنوانه ((اللون في شعر نـزار قباني)) فاز أيضاً بالجائزة الأولى ونشر في مجلة الجامعة على حلقتين، وظلّ هذا الموضوع الخاصّ بشعرية نـزار قباني اللونية يلاحقني، وحين عقدت صداقتي مع نـزار قباني وعدته أن أحوّل هذا البحث إلى كتاب لكنني لم أفِ بوعدي، وعوّضت ذلك أن أعطيت الموضوع لأحد طلبتي لينجز فيه رسالة ماجستير بالعنوان نفسه، وقد أكون وفيت بوعدي على نحو ما.
عيّنت مدرساً للغة العربية فور تخرّجي نهاية عام 1979 في الثانوية التي تخرجت فيها، فقد كنت الأول على الكلية وكان بوسعي اختيار أفضل مكان للتعيين، وسعيت في الثانوية إلى أن أنجز جزءاً من مشروعي في الكتابة والتفكير والرؤية والحلم، واستجاب الكثير من طلبتي لمشروعي، كنت أدرّس بطريقة مختلفة لم يألفها الواقع التدريسيّ هناك، حتى أنني في إحدى المحاضرات- وبجرأة غير مسبوقة- جلبت إلى الصف الخامس الأدبيّ السيمفونية الريفية لبيتهوفن، شرحت لهم حركاتها بالتفصيل ثم أسمعتهم إياها كاملة داخل الدرس، وكنت أجلب لهم الكتب الحديثة وأطالبهم بالقراءة والاستمتاع والتحليل، وحين ألتقي الآن بعض طلبتي في تلك المرحلة ممن كان تأثيري فيهم ظاهراً وجوهرياً أفخر كثيراً بأنني أنجزت شيئاً- ولو بسيطاَ- كنت أحلم به وما زلت.
في عام 1982 حيث كنت جندياً في مدرسة ضباط صف المشاة في الموصل بعد ثلاث سنوات تأجيل من الخدمة العسكرية لغرض التعيين، أخبرني أحد الأصدقاء أن اسمي ظهر في قائمة المقبولين لدراسة الماجستير في كلية الآداب في جامعة الموصل، وكان فرحي لا يوصف إذ تخلصت من حياة الجندية القاسية جداً، وفي الوقت نفسه حظيت بفرصة التعبير عن ذاتي في فضاء كنت أحلم به، وكانت الفرصة مواتية أيضاً لأكون عنصراً أساسياً من عناصر الحضور الثقافيّ في المدينة، وتعرّفت على نحو جيد على معظم أدبائها، وأسهمت سنوات عدّة في قيادة فرع اتحاد الأدباء في المدينة مسؤولاً عن النشاط الثقافيّ فيه، وبدأت أتمثّل نفسي على نحو أكثر قيمة وحيوية ونشاط ورؤية وحضوراً من ذي قبل، وصار لي اسم أدبيّ في مجال النقد الأدبيّ خاصة، ليس في مدينة الموصل فقط بل في بغداد أيضاً، وكنت أحضر برفقة أصدقائي من أدباء الموصل معظم النشاطات الثقافية التي تحصل في العاصمة وعلى رأسها مهرجان المربد.
بدأت النشر في صحف ومجلات بغداد كافة، وبدا اسمي يلفت الانتباه، وقد أغراني هذا بالانغماس في لذّة النشر وعوائده المادية التي كانت حينها جيدة، وكنت من أكثر زملائي حضوراً في المشهد الثقافيّ على صعيد النشر، وحين عدّت فيما بعد لتفحّص نتاجي المنشور لم أحتفظ منه إلاّ بالقليل الذي وجدت أنه يمكن أن يمثّل صوتي ويكون جزءاً من تراثي، وأهملت الكثير الآخر الذي وجدته بعد التأمل ليس سوى نتيجة طبيعية لفورة فرح النشر الأولى، لكنني لم أندم عليها إذ هي على أيّة حال كرّست اسمي على نحو ما وكانت سبباً في تعرّف الكثير من الأوساط الأدبية عليّ.
وعلى الرغم من حيوية هذا الوسط الذي أخذني إليه بقوّة إلاّ أنّ شيئاً ما في أعماق ذاتي كان يناديني باتجاه آخر، لم أكن أعي أو ألتفت كثيراً إلى هذا النداء العميق، ربما لأنّ وضعي لم يكن آنذاك مؤهلاً للاستجابة المطلوبة، غير أنّ هذا النداء كان يقلقني ويطرح عليّ أسئلته التي كنت أتهرّب من مواجهتها على نحو ما، لذا فقد كنت دائم التأجيل للنظر المعمّق في معنى هذا النداء وقيمته وإيقاعه الهادر، وانشغلت حتى عام 1987- سنة ظهور اسمي في مرحلة الدكتوراه في كلية الآداب أيضاً- بهذا الفضاء الملتبس وغير المجدي لي كثيراً، واستمررت بالأسلوب نفسه حتى حصلت على الدكتوراه صيف عام 1991، وكنت قبل ذلك بعام قد أوفدتني جامعة الموصل إلى القاهرة لمدة شهر للحصول على المصادر غير المتوافرة لغرض أطروحتي للدكتوراه، وكانت فرصة أخرى مهمة لي ساعدني فيها الصديق الشاعر أمجد محمد سعيد الذي كان مديراً للمركز الثقافيّ العراقيّ في القاهرة، ونظّم لي محاضرة عن النقد العراقيّ الحديث غطّتها كلّ الصحف المصرية وحضرها الكثير من الأدباء المصريين وحفلت بنقاشات طويلة ومعمّقة، ووصفتها القاصة العراقية المقيمة في القاهرة بثينة الناصري في عرض موسّع بأنها أكثر محاضرة حظيت باهتمام جمهور الحضور على نحو مثير فاجأها، كان لهذه الزيارة حقاً أكبر الأثر في تمتين علاقتي بذلك النداء الذي ما ينفك يندلع في مخيلتي ويتردد في أعماقي بلا هوادة لاكتشاف ذاتي.


