أنت هنا

قراءة كتاب البلاغة والخطاب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
البلاغة والخطاب

البلاغة والخطاب

كتاب " البلاغة والخطاب " ، تأليف د. محمد مشبال ، والذي صدر عن منشورات ضفاف .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
دار النشر: منشورات ضفاف
الصفحة رقم: 7

2-3- إذن ما البلاغة عند أبي حيان؟

رصد أبو حيان البلاغة في الحياة، على المنوال الموصوف في (2-1) و(2-2)، فلاحظَ افتقارَ جميع مناحي التعامل المدني (بين الدولة والمجتمع) إليها، حيث تهيمن وظيفة الاستدراج والإقناع وترجيح العدل والخير...الخ، ثم رصدَ فعلَها من خلال النصوص والخطابات والتنظيرات، فوجدَ وظائفَها كثيرة عديدة، تداخلتْ فيها الأداة والملكة والأثر، ذكر 23 منها، تمتد بين قطبين، كما بينا. وعندما حاول الانتقال من المعاينة الميدانية لحقل عمل البلاغة إلى استكناه بنيتها في ذاتها، أي الانتقال من الرصد إلى التنظير، لم يجد أمامَه غيرَ جُزر مبعثرة في بحرها الواسع. ولعله استعظم التنظير لمجال بهذا الاتساع والتنوع فأوكل المهمة إلى أستاذه أبـي سليمان المنطقي، فأجابه:

"البلاغة ضروب: فمنها بلاغة الشعر، ومنها بلاغة الخطابة، ومنها بلاغة النثر، ومنها بلاغة المثل، ومنها بلاغة العقل، ومنها بلاغة البديهة، ومنها بلاغة التأويل"[40].

وعلى الرغم من أن هذا التعريف ليس غريبا- من الناحية الشكلية- عن طريقة أبـي حيان الشذرية التفتيتية التي تُقدم المعنى في أوجُهٍ متعددة، وبصور مختلفة، بقطع النظر عن درجة السُّلم الحجاجي الذي تنتمي إليها الأجزاء، فإننا نحترم نسبته لأبـي سليمان خلافَ ما ذهب إليه مَنْ نسبه لأبـي حيان[41].

وقد خص كل ضرب من هذه الأضرب بتعريف قصد منه بيانَ خصوصياته. ونحن لن نهتم بتلك التعاريف والأوصاف، لأن التصنيف مختلٌ بشكل لا يمكن أن يُكسبَها هويات مستقلة. فالاختلال واضح- بالنسبة إلينا- في عطف المثل على الخطابة، والحال أنه أداة من أدواتها، وفي عطف النثر عليها وهو جنسُها الأعلى، وفي عطف البديهة على كل ذلك، وهي من ملكات وكفاءات الخطابة والشعر على حد سواء. هذه الحدود واضحة لنا، وللبلاغيين المختصين، ولكنها غيرُ واضحةِ بالنسبة لمن لم يستوعب بنية البلاغة الأرسطية ذات الجناحين: الشعري والخطابـي[42].

فهذا التصنيف يخلط بين الكفاءات وبين تجلياتِها اللغوية: فالعقل والبديهة والتأويل قِوىً وكفاءات (بقطع النظر عن الرتب)، في حين أن الشعر والخطاب والنثر والمثل تجليات (بقطع النظر عن الرتب) تظهر فيها هذه الكفاءات باختلاف مواهب الأفراد وممارساتهم.

كان هذا "الخلط"، إن صح أن نسميه بهذا الاسم، ممكنا في ذلك العصر، لأسباب لا يتسع المقام لشرحها. ويكفي أن نُشيرَ إلى أن صاحب هذا التصنيف كان يُحس بالبعدين (الكفاءة والتجلي) في وصفه لهذه البلاغات. يتجلَّى ذلك في تفسيره لبلاغة البديهة حيث قال: "والبديهة قدرةٌ رُوحانية، في جِبِلَّةٍ بَشريَّة، كما أن الرَّويةَ صورةٌ بشرية، في جِبلةٍ روحانية"[43]. إن عمل أبـي سليمان هنا عمل رصدي وليس تنظيريا.

ولمحاولة تفهم هذا التصنيف نقول: الجُزر التي كان يرصُدها أبو سليمان أو أبو حيان، أو هما معا، هي: جزيرة البديع ونقد الشعر (بلاغة الشعر)، جزيرة البيان (الجاحظي) والمناظرات (بلاغة الخطابة)، وجزيرة الكتابة وتحرير الرسائل (بلاغة النثر)، وجزيرة الوعظ والحجاج والمناظرة (بلاغة المثل)، وجزيرة التفسير والتأويل واستنباط الأحكام (بلاغة التأويل)، وجزيرة تحرير القضايا العلمية والفلسفية (بلاغة العقل)، وجزيرة ظواهر القدرة على الارتجال والحاجة إلى تعميق النظر مما سماه القدماء الطبع والصنعة (بلاغة البديهة، وبلاغة الروية)... وهكذا يمكن أن نتصور الطريقة التي رصدا بها مجالَ اشتغالِ البلاغة باعتبارها أداةً للتواصل والتأثير وكفاءاتٍ ضرورية لحياة حضرية قائمة على التبيين والاستمالة والاستدراج قبل الحساب وبعده.

وليس في منحى الخلط بين الكفاءة والإنجاز غرابةٌ عن مفاهيم ذلك العصر، بل هو إجراء مستساغ في ضوءِ التداخل بين مفهومين للبلاغة: البلاغةُ باعتبارها إنشاءً، أي عملَ البليغ، والبلاغةُ باعتبارها وصفاً، أي عملَ البلاغي. وأبو حيان يتحدث عن البليغ أكثرَ من حديثه عن البلاغي. وقد ظهر هذا النـزوع أيضا عند المتحدثين عن الفصاحة، فقد تحدث ابن سنان عن فصاحة اللفظ مفردا ومركبا، كما تحدث عن فصاحة المتكلم، أي عن كفاءته النطقية وسلامة مخارجه، وهو ينظر هنا لتراث الجاحظ الذي كانت الخطابة الشفوية مَتْنَهُ وموضوعَ تطبيقه. وهي تتضمن النص والأداء.

إن عدم الحسم في هذا النسق يؤدي إلى الخطأ في تقويم تصور أبـي حيان، والتمييز بين موضع تَجْليَته وتفوُّقه، ومكان قصور تصوره النظري. فهو راصد وليس منظرا، ورصده خارج إطار نظري كان أقوى وأعمق من رصد بلاغيين كبار كانوا سجناء تصورهم المسبق[44]. وقد انكشفَ الخللُ حين تصدى لبيان خصوصيات كل بلاغة بما لا يتسع المقام لذكره وتتبعه[45]. كما ظهر قصوره في الفقرة التي خصصها للبلاغة من رسالته في العلوم[46]. ولذلك فالبحث عن نظرية بلاغية عند أبـي حيان من خلال تعريف أستاذه لأضربها تشغيبٌ لا طائل منه.

وما دام لم يُكوِّن تصورا نظريا خاصا به يصف الإمبراطورية التي اكتشفها ويرسم حدودها، تصورا ينطلق من نواة معينة سلفا، كما وقع للجرجاني وابن سنان مثلا، فإنه ظل منفتحا على تعريفات أخرى أوردها حسب السياق، ومتطلبات المقامات. ومن ذلك قوله في المقابسات:

"فأما البلاغة فإنها زائدةٌ على الأفهام الجيدة بالوزن والبناء، والسجع والتقفية، والحلية الرائعة، وتخير اللفظ، واختصار الزينة، بالرقة والجزالة والمتانة، وهذا الفن لخاصة النفس، لأن القصد فيه الإطراب بعد الإفهام، والتواصل إلى غاية ما في القلوب لذوي الفضل بتقويم البيان"[47].

وهو هنا يقف عند عتبة الإشكال الذي وقف عندهُ الجاحظ طويلا ردا على العتابـي، الذي اعتقد أن البلاغة تتحقق بمجرد وصول المعنى بأي طريقة كان الوصول، حتى ولو كان الكلامُ مَعدولاً عن أصله. ويمكن أن أقول الآن بأن هذه الإشكالية هي التي جعلت الجاحظ يخرج من نظرية البيان التي لخصها في الفهم والإفهام إلى ساحة البلاغة حيث تُرصد المزية والزيادة.

حصيلة "رَصْدِ" أبي حيان:

أما بعد، فإن الرصد العام الذي قام به أبو حيان للبلاغة انطلاقا من نواة التفاعل المدني بين الدولة، كأداة، والشعب، كموضوع، مُهمٌّ مِنهاجيا، لأن هذا التفاعل سيمتد، كما عليه الحال اليوم، في كل الاتجاهات، ويستعمل كل الوسائل الداخلة في التواصل والتفاعل البشري من شعر وخطابة ونحو ومنطق...الخ، مُهمٌّ منهاجيا لأنه غير مرتبط- بخلاف تصورات المنظرين الأساسيين- بخلفيات فلسفية أو اعتقادية (أشعرية أو اعتزالية، بخلق القرآن أو قدمه)، ولا فنية مذهبية (عمود الشعر وبديعه)، بل هو مرتبط بِـ"الفعل"، بِـ"الأثر". مرتبط بحضور البلاغة وفعلها وتأثيرها في جميع المجالات...الخ

مهم بالنسبة إلينا نحن الباحثين عن بلاغة عامة قادرة على استيعاب جميع البلاغات الخاصة، قادرة على بيان فعالية "الإنشاء" نظما كان أم نثرا، قصيدا كان أم موشحا، خطابة كان أم كتابة، سردا أم حوارا مسرحيا أم كتابة سينمائية...الخ.

3- خطاطة البلاغة العامة

قلنا في مناسبة سابقة، بل في أكثر من مناسبة، أن البلاغة مفهوم تاريخي، أي يتغير ويتطور ساعيا لاستيعاب كل الصور والتجليات المرصودة عصرا بعد عصر. تلك الصور التي كرس التاريخ استعمالَ البلاغة (وبدائلها: فصاحة، بديع، بيان، براعة...) وصفا لها، وقلنا أيضا أن هذا التبدل في الألوان والأشكال لا يعفي من البحث عن السر المشترك الذي خولها تلك الصفة، كما خول الناس صفة إنسان على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم وتطورهم من حال إلى حال، اعترفنا بِدَارْوِينَ أم لم نعترف به...

الصفة المشتركة بين "المختلفات" تكون دائما ملتبسة خفية، ولذلك تصبح محلَّ نـزاع وأخذ ورد. وهذا ما حذا بالباحثين عنها من القدماء إلى استعمال كلمة "السر" في التعبير عنها. و"السر" يتأرجح بين مفهومي "الخفاء" و"السبب" المؤثر. وقد سميت الأسبابُ أسراراً لأنها ليست ظاهرة للعيان في أكثر الأحوال. ومن هنا جاء عنوان "سر صناعة الإعراب"، لابن جني، و"أسرار البلاغة"، للجرجاني، و"سر الفصاحة" لابن سنان الخفاجي.

البحث عن سر هذه الصناعة لا بد أن ينطلق من النواة (البنية/النسق/الطبيعة) المشتركة بين الخطابات التي وُصفت بهذه الصفة، وحين نصل إلى تلك النواة تندمج الخطابات في بعضها (فلا نعود نتحدث عن الخطاب المنظوم والمنثور، ولا عن القصيد والسرد والحوار (المسرحي)، بل نتحدث عن الخطاب التخييلي، ولا نتحدث عن الخطاب الحواري الاستشاري، ولا عن المناظرات والمفاوضات، بل نجمل كل ذلك في الخطاب التداولي (التصديقي).

وحين نلاحظ أن الخطابين (التخييلي والتداولي) يلتقيان في الاحتمال: بفعل الخيال الذي يجعل النص (المخيل) منغلقا على نفسه، مفتوحا للقراءة والتأويل، وبفعل المقامية التي تجعل موضوع التداول متنازعا بين طرفين، أو مرهونا بمدى تقبله من قِبَل الـمُتلقي مهما قَوِيتْ صِدقيتُه، وعَلَتْ حُجَّته،- حين نلاحظ انفتاح التخييلي بحسب "وجدان"[48]المؤول، وارتهان التداولي بموقف المخاطب، نقول: هذا كله خطاب احتمالي مؤثر. وحين نفحص المسافة التي يمتد فوقها هذا الخطاب الاحتمالي سنجدها، كما وجدها أبو حيان، شاسعة، تغطي نصف النشاط الإنساني: غير التقني وغير العبثي.

وإذا كان أبو حيان قد أعطانا صراحةً سقفَها الحجاجي حيث يتلاشى الاحتمال في مستوى التلقي الطبيعي للإنسان، وهو ممثل بالحساب، أي المنطقة البرهانية (التي تكتمل بالبعد التجريبـي المخبري)، فإن تحليل الوظائف التي تَحدثَ عنها جعلنا نحدد بسهولة العتبة الدنيا التي يتضاءل فيها الاحتمال والتأثير تدريجيا بتضاؤل المعنى، وهيمنة الزخرف والتزويق، أي التشكيل. وقد رفض أن يكون الزخرف خاليا من الدلالة، فهو إذن العتبة الدنيا الداخلة في البلاغة، وما دونها عبث بدون معنى. وهذه العتبة الدنيا هي التي حددها بول ريكور بالهذر. وهي منطقة تثير نقاش دارسي العلاقة بين الفن والجنون. وهو نقاش مؤجل عندنا لحين التعرف على الحدود غير المتنازع عليها. فكثير من الكسالى الذين ساقهم القدر ومتطلبات العيش والوظيفة إلى إمبراطورية البلاغة ما زالوا يرفضون الخروج من سخونة مَرْبِض مهده لهم شراح السكاكي في زاوية معتمة من نظريته، وما تزال البلاغة رهينة بينأيديهم.

الصفحات