أنت هنا

قراءة كتاب البلاغة والخطاب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
البلاغة والخطاب

البلاغة والخطاب

كتاب " البلاغة والخطاب " ، تأليف د. محمد مشبال ، والذي صدر عن منشورات ضفاف .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
دار النشر: منشورات ضفاف
الصفحة رقم: 8

3- خطاطة أولية لبلاغة عامة

سنحاول رسم خريطة أولية تساعد طلاب البلاغة على دخول معمعة البحث عن بلاغة عامة، بلاغة للمجتهدين الذين يُكمِّلون بما آتاهم الله من نعمة العقل، ولا نبالي بالكسالى الذين يغلبهم النعاس حين يجابهون مثل هذا النظر.

كنتُ أتمنى أن أجدَ مصطلحات معروفة رائجة، غير أن اقتحامي مجالَ البحث انطلاقاً من أنساق حديثة ومحاورة التراث العربـي من خلالها دون وسيط فرضَ علي أن أقترح عددا من المصطلحات، منها ما هو جديد، ومنها ما هو قديم اقتضى تشغيلُه إعادةَ تعريفه ليستجيب لمتطلبات نسق تتجاوب أطرافُه دون لبس أو تداخل. لا شك أن القارئ قد لاحظ أن التراث البلاغي العربـي غني بالمواد الصالحة لبناء صرح بلاغي يستجيب لمتطلبات الأنساق الحديثة في الموضوع. ولكن توقُّفَ النظرِ في هذه البلاغةِ قروناً جَعلَ وصْلَها بمستجدات البحث في الميدان يتطلب إعادة مد الجسور بين جزرها، وتدليل ما فقد دلالته عبر عصور الاختزال والتقزيم. ولو جمع بين رَصْدِ أبـي حيان وتنظير حازم مُبكِّراً لحصلنا على بلاغة عامة منذ زمان.

نبدأ من أول الهرم، من كلمة بلاغة وعلاقتها بكلمة ريطوريك (rhétoric, rhétorique) القادمة إلى النسق المعرفي الحديث من النسق المنطقي الأرسطي(rhétorikè)[49]. لقد رأينا مع أبـي حيان أن كلمة بلاغة تشمل كل أنواع الخطاب المرن المستدرج بين الزخرف اللفظي والمعنوي والخطي، أما في البلاغة الغربية فإن كلمة ريطورية تؤدي معنيين كبيرين:

فالمعنى الحديث الشائع، غيرَ مقيد بإضافة أو نعت، يُطابق المعنى العربـي، ويعني البلاغة العامة التي تتناول جميع الخطابات، والبلاغات الخاصة بكل خطاب (بلاغة الشعر بلاغة السرد بلاغة الصورة...الخ.).

أما المعنى الثاني للريطورية فهو المعنى المنحدر من تفريق أرسطو بين البويتيك والريطوريك، بين فن الشعر (أو في الشعر) وفن الخطابة (Techné rhétoriké).

لم تطرح البويتيك مشكلا، في الظاهر، لأن الدراسات الشكلانية الحديثة، كما صاغها ياكوبصون، رسخت مصطلح شعرية مقابلا لها. وأصبحت الشعرية عامة للمخيلات كلها منظومة كانت أم منثورة. أما الريطورية الأرسطية فقد بقيت خارج الحسم، وزاد من تعقيد أمرها إعادة صياغتها حديثا لتدل على نظرية الإقناع تحت اسم البلاغة الجديدة، كما هو الحال عند بيرلمان ومدرسته.

بخلاف المترجمين والشراح القدماء الذين تنبهوا إلى أن ريطورية أرسطو لا تطابق مفهوم بلاغة ولا خطابة، فعربوا اللفظين حينا وتحدثوا عن الصناعة حينا[50]، فإن الدارسين المحدثين حسموا الأمر وانـزلقوا إلى هذه الجهة أو تلك، فمنهم من استعمل لفظ بلاغة بدون تقييد، ومنهم من استعمل لفظ خطابة، ومنهم من تردد بينهما[51].

ومن حق القارئ أن يتساءل الآن: ماذا فعل العربُ في المقاربة بين تصورهم الشمولي للبلاغة وبين هذا التصور الأرسطي الذي يشطر الموضوع شطرين، هل نَمَّوْا كلَّ كتابٍ على حده أم دمجوهما؟

برغم وجود تلخيصات، وتخليصات، وتبييئات، لكل من الكتابين فإن قراءة الفلاسفة للكتابين كانت متأثرة بهيمنة الشعر على التنظير البلاغي العربـي- حتى في محاولتهم استخراج بلاغة القرآن. ولذلك حَوَّلُوا كتاب "فن الخطابة" إلى قِطَع غيار استعملوها في ترميم كتاب فن الشعر ليستوعب الشعر العربـي ذي النفس الخطابـي البعيد عن التراجيديا. وقد شرحنا هذه العملية التحويلية في فصل كامل من كتاب البلاغة العربية.

اليوم، ونحن نحاور التراث العالمي، لم يعد بالإمكان الاستمرار في هذا الغموض، فقد يَحْدثُ أن تَرِدَ كلمةُ ريطوريك بالمعنيين في نفس الكتاب، وهذا كثيرٌ حين يُحالُ على عدة مدارس، وعدة مؤلفين (مجموعة مي، وبيرلمان مثلا)، حينئذ يقع القارئ العربـي الذي يتلقى الترجمة، أو أي كتابة في الموضوع في عمياء.

للخروج من هذا الخلط انْتهيْت، بعد عِقدين من التَّهيُّب والتردد، إلى اقتراح مصطلح "خطابية" مقابلا لريطورية أرسطو، وتركت كلمة بلاغة لتدل على المعنى الحديث للريطورية. وهذا الاقتراح ليس غريبا عن بنية النسق الخَطابـي، بل هو منسجم ومتسق مع مقابله أي النسق الشعري: شعرية وخَطابية. أما كلمة خطابة فتدل
على المنتَج الإنشائي، أي على صنيع الخطيب (orateur, rhètôr)، أو النصوص الخطابية.

فالبلاغة باعتبارها العلم الذي يتناول الخطاب الاحتمالي المؤثر تنقسم إلى "شعرية" تتناول كل المخيلات، وخطابية تتناول كل "المصدقات" (أو التداوليات). وهذا كله على افتراض "الادعاء". فهذا المصطلح (الادعاء) الذي استقر عليه الجرجاني في تفسير الانـزياحات الشعرية الدلالية، بعد أن استبعد مفهوم "النقل" لقصوره، صالحٌ أيضا، وبنفس القوة، لتفسير احتمالية التصديق. فالخطيب، أيُّ خطيب، إنما يَدعي الصدق، وعليه أن يُقنع المتلقي بذلك، وإلا بقي خطابه معلقا في التداول، والشاعر يدعي أن ما يقول "صَرْحٌ من خيال"، ولكن المتلقي قد يجد فيه من الصدق ما يجعلُه يُحاكمه أمام القضاء[52].

عندَ هذه النقطة من البناء نصبح في حاجة إلى اسم "النص الافتراضي" الجامع، النص الذي تعود إليه كل النصوص التخييلية والتصديقية/التداولية؛ النص الذي يجمع القصيدة والنثيرة والموشحة والزجل والقصة والرواية والمسرحية... والخطبة، والمناظرة، والمفاوضات، والحوارات ...الخ؟

المسألة أهون هنا، سنعود إلى ربط الاتصال بأبـي حيان التوحيدي الذي جعل الإنشاء مطلبا لكل مناحي الحياة باعتباره عمل البلغاء الذين يضبطون إيقاعها. الـمُقصِّد والوشاح والزجال والقاص والروائي والخطاط وكاتب السيناريو والحوار والخطيب والمناظر...الخ، هؤلاء كلهم منشؤون، ومنتوجهم "إنشاء". ونحن كنا منشئين في المدرسة المغربية إلى أن جاء "مرشد" تربوي لا يرى أين يضع رجله فغير "الإنشاء" بِـ"التعبير" إيذانا بنـزولنا درجات في مستوى الخلق والإبداع، فنـزلنا عند رغبته، ونـزلنا[53].

هذا اقتراحٌ لتجاوز أهمِّ عَقبةٍ تفقُ في وجْه بناء بلاغة عامة تُعيد للبلاغة كلَّ أراضيها، وتعطيها الحق في تأسيس عاصمة يُرجع إليها، هناك النواة المتمثلة في الموضوع، وهو كل "خطاب احتمالي مؤثر"، وهناك شبكةٌ من المصطلحات تمثل هذه النواة. وما بعد ذلك مجرد خانات يملؤها المشتغلون بالبلاغات الخاصة بما تَوَلَّدَ عن حاجياتهم الـمِنهاجية.

بهذا المعنى تمتد البلاغة بين المجاز والحوار: المجاز فسحة وسَعَة في ذهن الإنسان؛ يُمكنه من رؤية الأشياء في أكثر من صورة، ويحول الحروب إلى فرجة ومهارة ورياضة، وحين يضيق بجد يسخر من كل صور تصلبه. والحوار فسحة من الاحتمالات مع الآخرين، فالدخول في حوار ضرورة مدنية. المجاز يؤول ويؤول إلى صورة، والحوار يؤول ويؤول إلى حجة. البلاغة صورة وحجة.

الصورة والحجة

تلافيا لتكرار ما بيناه في كتاب البلاغة الجديدة لن نخوض هنا في التداخل بين الشعر والخطابة، بين التخييل والتداول، ولكن الذي لا بد منه، ونحن نضع أحجارَ تحفيظ الملكيات فوق إقليمي البلاغة، هو تجميعُ كل تقنيات التخييل وأوجُهِه و"نُكته" تحت مصطلح واحد. وقد رأينا أن أنسب المصطلحات المتاحة هو مصطلح "الصورة" ترجمة لِـfigure [54]، وتجميعُ كلِّ تقنيات التداول تحت مصطلح واحد لا خلاف عليه فيما يبدو، هو مصطلح "الحجة" ترجمة لِـargument. فبدون هذا التجريد لا نستطيع أن نتحدث عن تلك التقنيات مجتمعة متقابلة. وكلمةُ تقنياتٍ التي نستعملُها هنا ليست كلمة عابرة، بل سيفهم القارئ قيمتها حين يجدنا نقول في سياقات أخرى، نظرية وتطبيقية: بلاغة الحوار أخلاق وتقنيات[55].

وما دمنا نسلم بتداخل الإقليمين فسيكون من واجبنا أن نبحث كيف تتقوى الصورة (مثل الاستعارة والسخرية ...) حتى تصير حجة رادعة، وكيف تلين الحجة وتتنازل عن وثوقيتها ويقينها حتى تصير صورة مخيلة، وكيف تضطرب بعض الصور (مثل التمثيل) بطبيعتها بين الصورية والحجية. وما طبيعة الدور التلييني المساعد الذي تلعبه جميع الصور في التهييئ للإقناع؟

بدون تدقيق هذا المبحث سيظل البحث عن حجاجية الشعر وشعرية الخطابة سطحيا وقشوريا، وذلك هو واقع ما أنجز في الموضوع إلى الآن، بل أكثره حشو خارج الإشكال.

وفي هذا السياق يظل تصنيف أرسطو للخطابة إلى مشاجرية واستشارية ومحفلية (تحسين وتقبيح) مهما، باعتبار المحفلية أقربَ إلى التخييل منها إلى التصديق، أو هي واقعةٌ بينهما. وقد اهتم كيبيدي فاركا كثيرا بهذه المنطقة في كتابه الخطابية والأدب[56].

لا بد من نواة ونسق، وإلا فَلْنكُفَّ عن الحديث عن "البلاغة" على الإطلاق، أو عن "بلاغة عامة"، ولْنكْتفِ بأن يَدْعوَ كلٌّ منا ما يشتغل به بلاغة بدون تحديد. أما من جعل همَّه بناء بلاغة عامة تستحق اسم البلاغة بدون تقييد فما عليه- إن لم يستسغْ هذا الـمُقترحَ- إلا أحد أمرين:

1- أولهما، تقديم ما يثبت عدمَ وجود مُشكلٍ من الأساس في ترجمة كلمة ريطورية rhétorique)) وما يتفرع عنها، مثل: auditoire (بجوار situation وcontexte)، وconviction (بجوار persuasion)، وfigure (بجوار image) ...الخ.

2- والثاني، الاعتراف بأن هناك مشكلا حقيقيا، وتقديم مقترح بديل أو معدل لما نقترحه، وسنكون سعداء بتبنيه كلا أو جزءا إن وجدناه أجدى وأنفع. وسيتيح المقترحان، أو المقترحات، للباحثين إمكانية المفاضلة والاختيار، والبقاء للأصلح، المهم ألا نستمر في زرع الفوضى والخلط، واستعمال الفيتو في غير محله.

الصفحات