أنت هنا

قراءة كتاب البلاغة والخطاب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
البلاغة والخطاب

البلاغة والخطاب

كتاب " البلاغة والخطاب " ، تأليف د. محمد مشبال ، والذي صدر عن منشورات ضفاف .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
دار النشر: منشورات ضفاف
الصفحة رقم: 10

1. سقراط وجُورْجْيَاسْ

يوجه سقراط في بدايات المحاورة سؤالاً إلى جُورْجْيَاسْ متعلقاً بهويته المهنية وبالصنعة التي يجيدها. فيجيب جورجياس: "الخطابة، ياسقراطْ". وبهذا يحدِّد سقراط هويَّة محاوره باعتباره "خطيباً"؛ ويعترف جُورْجْيَاسْ بأنه معلِّمُ خطابة أيضاً. ثم ينصرفان إلى تحديد موضوع الخطابة، عبر أسئلة يوجهها سقراط إلى جُورْجْيَاسْ، الخبير بهذه الصنعة ومعلمِها.

موضوع الخطابة، في نظر جُورْجْيَاسْ "هو أهم الشؤون الإنسانية وأفضلها"[61]. إلا أن هذا الجواب لا ينفي التساؤل من جديد، إذ إن أفضل الشؤون قد تكون، في رأي سقراط، هي الصحة أو الجمال أو الثروة المكتسبة بغير الغش. يوضح جُورْجْيَاسْ هذا الشأن الأسْمَى فيشير إليه بالإسم:

"إنني أتحدث عن سلطة الإقناع، المعتمِدَة على الخطابات، إقناع القضاة في المحكمة وأعضاء مجلس الحاضرة ومجموع المواطنين في التجمع الشعبـي، أي باختصار أقصد إلى سلطة الإقناع في أي اجتماع للمواطنين. وفي الواقع فإذا كنت تمتلك مثل هذه السلطة فإنك ستجعل من الطبيب عبداً، ومن المدربين الرياضيِّين عبيداً، أما بالنسبة إلى صاحب المال، فإننا على علمٍ أنه لا يجمع المال لنفسه، بل لك أنت الذي تجيد الكلام وإقناع الحشود"[62]. يستنتج سقراط من كلام جُورْجْيَاسْ كونَ "الخطابة توَلِّدُ الإقناع"[63]، ذلك الإقناع الذي هو وليد كل جهودها ومهمتها الأساسية.

ومع ذلك فهل تنتهي الأمور عند مجرد الإقناع، بعيداً عن قيمة ومحتوى هذا الإقناع؟ إنه لا يكتفي بهذا التحديد السابق، لأنه يقتصر على تعيين المقامات الثلاثة للخطابة، أي التجمع الشعبـي ومجلس الحاضرة والمحكمة. ومع أن سقراط يمعن في طلب مزيدٍ من التوضيح والتقصي واستيفاء الموضوع، فإن جُورْجْيَاسْ لا تخذله الوسيلة فيحيط بالموضوع من زوايا أخرى، تركز على تحديد الخطابة ليس بسياقاتها بل بمحتوياتها، ذاهباً إلى "أن موضوع الخطابة هو العدل والظلم"[64]. هذا أمر مهم جداً؛ موضوع الخطابة هو العَدل والظُّلم، ولكن ضمن المقامات السابقة. ورغم هذا يظل سؤال مهمٌّ عالقاً. فبأي شيء تتميَّز الخطابة التي تهتم بالعدل وبالظلم؟ هل نستعين بالخطابة لفهم جوهر العدل والظلم؟ الشيء الذي يمكن أن تتقاطع فيه الخطابة مع التشريع. لا شك أن غرض الخطابة في هذا الشأن غير غرض التشريع. هنا يبادر سقراط بشكل استباقي، فيخاطب جورجياس:

"فهل تريد أن نُسلِّمَ بوجود نوعين من الإقناع، أحدهما يُحدِث الاعتقاد لا المعرفة، والآخر يولِّدُ المعرفة"[65]. وبطبيعة الحال يوافق جُورْجْيَاسْ على هذا التقدير.

واعتماداً على هذا، ما هو الموقع الذي تحتله الخطابة من بين هذين الموقعين. "من بين هذين النوعين من الإقناع، ما هو الإقناع الذي تحدثه الخطابة في المحاكم وفي غيرها من التجمعات التي تهتم بالعدل والظلم؟ فهل هو الإقناع الذي يسمح بالاعتقاد لا المعرفة، أم الإقناع الخاص بالمعرفة؟"[66]. يجيب جُورْجْيَاسْ بقوله: "الأكيد، ياسقراط أنه الإقناع الذي يولِّد الاعتقاد". يستنتج سقراط خلاصة هذا الكلام بقوله: "إن الخطابة هي إذن، حسب ما يبدو، مولِّدة الاعتقاد؛ إنها تبعث الاعتقاد بأن العدل والظلم هما هذا وذاك، إلا أنها لا تولِّد معرفةً بهما [...] وفي كل الأحوال، فلا يمكن، في حيّزٍ زمني قصيرٍ تعلِيم حشدٍ من الناس والخلوص به إلى اكتساب معرفة في مسائل بالغة الأهمية"[67].

هذا النُّزوعُ المتأصل في الخطابة والمتمثِّلُ في إحداث الإقناع، لا المعرفة، هو الذي يجعل الخطيب يَبُزُّ العالِمَ، ليس في الأمور التي تعتبر من أرومة إقناعية وحسب والتي تند عن المعالجة العلمية أو التقنية، بل حتى في الأمور التي تعود إلى اختصاص العالِمِ. إن الأمر الذي يهمنا هنا هو أن الخطابة قد تَتطاوَل على مجالات واقعة في دائرة اختصاصات علمية معلومة. من قبيل الاختصاصات المقصورة على الطب. الخطابة التي يدافع عنها جُورْجْيَاسْ هنا تنتهك هذه المجالات وتضيِّق الخناق على تخصصات علمية داخل نطاقاتها ومجالاتها. لعل النص التالي مما يلقي الضوء على هذا الاختراق للحدود.

"سقراط: [...] حينما نبادر إلى عقد اجتماع المواطنين لأجل انتقاء الأطباء، أو بُناةِ السفن أو أية مهنة أخرى، فهل نلتمس لهذا الغرض رأيَ الخطيب؟ لا، إذ من البديهي أنه ينبغي في كل حالةٍ اختيار الاختصاصي الأفضل. وكذلك إذا تعلق الأمر ببناء الأسوار أو تشييد الموانئ ومستودعات الأسلحة، فلا تطلبُ هنا أيضاً استشارة الخطباء، بل رأي المهندسين المعماريِّين. وبالنسبة إلى اختيار قادة الجيش، أو بتنظيم الجيش المتهيئ للمعركة أو التخطيط للاستيلاء على موقع من المواقع الاستراتيجية، فالمطلوب هنا هو طلب رأي الاختصاصيِّين في الاستراتيجية العسكرية، وليس رأي الخطباء.- ماذا أنت قائلٌ ياجُورْجْيَاسْ في كل هذا؟ [...]

جورجياس: الأكيد أن ما سأحاول فعله، ياسقراط، إنما هو أن أكشف بكل وضوحٍ، القوة الجبارة للخطابة.

[...] الخطابة تتمتع بامتلاك كل الكفاءات الإنسانية، وبالتحكم فيها! [...] لنفترض أن خطيباً وطبيباً قد تقدَّما إلى أية حاضرة، وتناقشا أمام الشعب المجتَمِع، أو أمام أي تجمع في موضوع مَنْ مِنَ الإثنين يستحق اختياره كطبيبٍ، فإن لا أحد سيلتفت إلى الطبيب، وأن الرجل المتمكن من الخطابة سيتم اختياره إذا شاء. ولنفترض أيضاً أن المقابلة يمكن أن تتحقق بين الخطيب وبين أي اختصاصيٍّ، وسيكون الفوز دائماً من نصيب الخطيب، بسبب قدرته على الإقناع. وإن ذلك يعود إلى ألَّا وجود لأي موضوعٍ لا يستطيع الخطيب التحدثَ فيه، أمام الجمهور، بشكل أقدر على الإقناع من أي اختصاصيٍّ. آه، ما أعظم قوة هذه الصنعة الخطابية!"[68].

لا شك أن هذه الثقة المفرطة، تبرَّر بشيءٍ واحدٍ وهو مخاطبة العوام الذين يهضمون بسهولة ما يعرض عليهم من المعارف الرائجة في شكل خطابـي. وهؤلاء العوام ينتابهم التبرم والتضايق بمجرد مباشرة الحديث معهم بلغة أهل الاختصاص.

وعلى كل حال فإن هذا التداخل بين الخطابة والطب ليس حالة فريدة؛ فهذا المختص في الفكر اليوناني لُويْدْ يؤكد: "لم تعرف أثينا هذا التداخل بين الطبيب والسفسطائي وحسب، وهما معا محاضران عموميان، ولكن عرفت أيضاً تداخلاً بين الطبيب والسياسي: فحينما يلتمس الأول تعيِينه كطبِيبٍ عموميٍّ، فلا شكَّ أنه يحتاج أحياناً، شأنه شأن الثاني، إظهار قدراته الإقناعية أمام جمهورٍ عريض من عديمي الاختصاص"[69].

هو هذا المشكل هنا؛ لا يفوز السوفسطائي على التقني إلا في الأمور غير التقنية، وفي حضرة العوام الذين يرجحون هذه الكفة أو تلك. أما في المحافل التخصصية فلا مكان لعديمي التخصص ناهيك عن ذوي المعارف العامة التي تجري على كلِّ لسان.

الصفحات