أنت هنا

قراءة كتاب لن تجن وحيداً هذا اليوم

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
لن تجن وحيداً هذا اليوم

لن تجن وحيداً هذا اليوم

رواية " لن تجن وحيداً هذا اليوم " ، تأليف أم الزين بن شيخة المسكيني ، والتي صدرت عن

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: منشورات ضفاف
الصفحة رقم: 8

......

كانت تنـزل بخطى صامتة. لا شيء كان ينتظرها في أي مكان.. اليوم.. كل شيء انتهى... كان عليها فقط أن تستأنف هبوط الدرج شيئا فشيئا.. دوما إلى أسفل.. لا شيء يجبرها على الهبوط في دمها ولا شيء يجبرها على الصعود في آلامهم.. ورغم ذلك أحسّت فجأة بالرغم من نهايتها أنّ شيئا ما في دهاليزها القديمة يدعوها إلى البدء من جديد.. لأنّ شيئا ما هو الآن بصدد المجيء اليها.. رغم أنّ كل شيء قد انتهى..

خطوة واحدة تفصلها عن الطابق السفلي من بيتها.. هي ذي في بيتها أو ما أمكن لها أن تتخيّله على أنّه بيتها... وهاهي قامتها، المثقلة بخفّة لا تُحتمل، تدفع بجسدها إلى الأمام جدّا.. عليها أن تخترق المكان مرّة أخرى.. لا تدري هل هي تكرر قدرا قديما أم بصدد السير نحو حتفها.. شيء واحد لا زالت تتقن حمله جيّدا هي بصماتها كآخر عنوان على وجودها.. هل سترسب هنا طويلا أم سنتجح باسعاف في اعادة الهبوط إلى الأسفل جدّا.. كانت تهاب صدمة الحضيض.. فمن يصعد عاليا يكون سقوطه أكثر ايلاما..

همّت بالتقدّم خطوة أخيرة نحو الدرجة الأخيرة في سلم طويل تهبطه للمرّة المليون في حياتها.. لكنّها تجمّدت فجأة.. درجة مستحيلة العبور والسلّم يهتزّ تحت قدميها.. رجّة أم زلزال.. أم لحظة دوار شخصية جدّا.. لم تكن تفرّق يومها بين جنونها الشخصي والجنون العمومي الذي رأته يزحف حثيثا نحو سكّان المدينة..

نصفها قمر ونصف ليل معتّم بأرواح تجيء وتمضي سريعا.. دون أن ينتبه أي كان اليها.. وتأتي مع كل الصباحات التي عبرت هذه المدينة. مفعمة بطفولة جذلى من الورد المنسي.. وكان العصر يتيه في حروفها التائهة في صحراء الخرافة.. شديدة الصمت حريصة على الكتمان.. في كل يوم تخترع عرسا كاذبا تنهيه آخر الليل بحطام من العواطف المنهزمة.. شعرت أنّها أنقاض من وطن أصابته الشيخوخة المبكرة.. أقل من امرأة وأكثر من لغة..

أرهقها هذا السلم الطويل.. وتعبت من كثرة الهبوط دوما إلى أسفل.. وتستحيل عليها الدرجة الأخيرة إلى حدّ الغثيان.. هاهي تستند إلى الحائط الذي كان يحاذيها وحيدا.. بلا متّكئين.. وقفت تسترجع نفسا أخيرا خالت للحظة أنّه انحبس في ركن من أركان رئتيها الصغيرتين.. وقفت بأمر من عضو بدا لها في طريقه نحو العطالة... أصابها دوار لطيف ودمعة فضيّة في عينيها تهمّ بالسقوط..

لملمت شتات روحها وحدّقت بعينيها المتعبتين.. ها هي تلمس بنظراتها المتوترة صورة معلّقة على الجدار المقابل للسلم.. كانت أولى صورها معه.. ومنها بدأت كل الحكاية.. هل هي حكاية فقط أم طابور من المفاجآت والرجّات.. ؟كل شيء معه بدأ فقط.. لا شيء أدرك نهايته.. بعض الأشياء ستولد مرّة أخرى..

كان يوما استثنائيا.. كان فيه عشب حديقة الجامعة أخضرا تماما.. أتقن فنّ اغوائها.. أغراها بجمال الكلمات وبديع القصائد.. اقتربت منه أكثر.. تعانقا أكثر من ربع قرن.. لا شيء حدث غير عائلة صغيرة وثلاثة أطفال.. معها أتقن فنّ الحياة ومعه أتقنت فنّ التظاهر بموت يومي لم يكن يهتمّ به كثيرا...

تبعثرت حواسّها واختلطت عليها الاتجاهات.. وسماء داخلية كانت تدعوها إلى النوم على حافة الهاوية.. كانت تسمع أصواتا غريبة.. وترى أناسا كثيرين في مجالها البصري. بعضهم كان يبتسم لها في لطف.. والكثير منهم يرمقها بنظرات غامضة.. وآخر يتوعدها تشفيا على ثأر قديم.. لم تفهم ما يدور حولها.. وطال التصاقها بذاك الجدار..

ناداها الصوت من بعيد: "أين تكونين.. أيتها الروح القادمة من الريف الحزين؟ ألم تصلي بعدُ؟ أم تُراك نسيت موعدنا؟"

فزعت من ذاك النداء.. أجابت وهي توكوك في عبارات متقطعة: "ومن تكون أيّها الصوت؟ هل أنت من الانس أم من الجنّ أم أنت فزعي ورعبـي جاء يخلخلني؟"..

كانت تراه يمضي أمامها في كبرياء وأبّهة.. هرولت نحوه مسرعة.. لكنّه واصل طريقه.. لم يلتفت ولم ينبس بكلمة.. صمت رمادي أغبر الايقاع كان يلفّهما معا في حدث روائي واحد.. عيناه شاردة وعيناها تحدّقان به متوسّلة أن يتوقّف قليلا عن الهرولة وأن يسترجع ذكراها قليلا..

تمكنت بعد جهد ولأي من أن تقبض عليه.. أمسكت به من يديه.. جرّها بعنف في تيّاره الجارف.. حينئذ قررت أن تبدأ في قراءة تفاصيله الغامضة.. كان يريد الرحيل دوما.. وكانت تجذبه إلى حياة يومية مليئة بالشهوات..

قال لها في همس: "ألم نتفق بأن يمضي كل إلى قدره"

قالت: "بلى.. فأنت قدري"

جذب يده من يديها متملّصا من قدر قديم: "لم أعد بحاجة إلى نهار عمومي"..

لكنّها أصرّت على اغرائه بالعبور ثانية من نفس الدهاليز..

لم يصمد طويلا.. عاد أدراجه..

تأمّلت جدول أوقاتها المعلّق على الثلاّجة.. كل يوم تستيقظ من ليل متقلّب.. تقضم الخبز ككل فئران المطبخ.. تبصق بعدها بمهارة.. وتوكوك بعسر.. تنصرف سريعا إلى أوراقها.. ترتّل أوهامها بكل رطانة..

كان يتناول فطوره إلى جانبها.. في صمت.. وكانت تلتهم قطعة من الشكولاطة مع قهوة سوداء..

سألته بغتة: "لماذا سرقوا السماء بهذه السرعة؟"

أجابها ضاحكا: "ومن أدراك بأنّ ثمّة سماء؟"

ردّت عليه: "سماء هشّة سريعة الذوبان.. لا شيء فيها غير الهواء"

عادت أدراجها إلى الداخل.. وبدأت تحصي فضائله..

الصفحات