أنت هنا

قراءة كتاب إستلوجيا

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
إستلوجيا

إستلوجيا

رواية " إستلوجيا " ، تأليف صلاح صلاح ، والتي صدرت عن

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

أخرج من البيت الذي تختبئين فيه وأضيع في طرقات العالم. أفكر فيك مثل نبيّ وأحسّ بغُصّة قوية تصعد إلى الزردوم، كم مرة قلت لك؟ اتركي الحزب الشيوعي واتركي زوجك، عليهم اللعنة. أتذكّر كل أحاديثي معك، أفكر بالنقاشات التي جرت بيننا، العصبيّة، الاندساس عميقًا في الأرض وكأنّما أحاول الهرب من القسوة، من الألم الذي يحلَّق كما النسور في حياتي. قلت لك أيضا، إنهم سرّاق وأبناء كلب، كل الذين يأتون، يجيئون برغبة الاستعلاء المرير، ما كانوا يحبّون الشعب. ألا تتذكرين كلام سليمة حزقيل عنهم؟ . كانوا عبارة عن ممسوسين وطلاب سلطة. أتذكّر الآن كيف كنت، ولم أزل، بالنسبة لك , شيئًا على الهامش، لقية غير فريدة تركتها للنسيان. لم أشعر يومًا أنّي ابنك. كنت مشغولة كل الوقت بالتباسات زوجك، بالتباسات أطفالك والحزب. كل وقتك لهم. كنت أشعر بهامشيتي المريرة في حياتك ويتصاعد إلى ذهني أنّي من الماضي. الغيرة دمّرتني. الالتباس بمعرفة الضياع والغرق فيه كان سمةً أزليّة في روحي، حتى إنّي كنت أشعر بكينونتي مخلوقة من العدم ولست إلا إلهاً جديداً في هذا العالم. لكن رغبة الانتقام كانت تتجذّر فيَّ عميقا، تنغرز كما السّكين في ظهري وحلقي وأشعر برغبة قويذة لابتزاز الجسد وشنقه.

فكّرت مرات كثيرة تحت طائلة الهجر بأن أترك العالم. الشعور بالانتهاك الذي يحيطني يمكنني من التفكير في مخارج لأيام الزمن، الزمن الوحيد الذي يجعلني أفكر في الضياع والهروب نحو الانتقام، كهاجس، كوجع، كانتحار، كاستيحاش.

في عبور الأزمنة وأنت تختبئين الآن أتذكّر صباحاتي الميتة من دونك، يا الله! صباحاتي التي كنت أستيقظ فيها وأنا أشعر بالاختناق. شعور مرير بأن تحسّ صدرك يكاد ينفجر وما من وسيلة لتفريغ شَحنات العاطفة التي تلبسك. تتمتعين أنت بأطفالك وزوجك الجديد وحزبك، فيما أنا أجرُّ موكب العزاء على روحي. في كل مساء، في كل هجير، في كل أرض بها سوسنة الجبال، في كل عاقول الصحارى، في كل ليلة عندما يمسدني الله بأصابعه الزبرجديّة وأشمّ رائحة المرّ واللبان. كنت أبكي أمامه، أبكي توحّدي الغريب وأنا في هجرات العالم الذي تركني وحدي، كنت أنتظر يوم الخميس في كل مراحل حياتي. يوم الخميس الذي تأتين فيه أو لا تأتين لرؤيتي وأنا عند جدّتي. فأغرق أمامك أو في أحلامي في سهوب رائعة من حبك. كنت أقبّل حذاءك وأصابعك وعقصة الشعر الأحمر وعطر الكلامور المختبئ خلف شحمة أذنك، كنت أشعر أنك كرهتني مثل عيسو يا أمي. مثلما كره الله النكرات في هذا العالم، مثل سفينة آيلة إلى الخراب، مثل مدينة عاهرة استحقت غضب ربّ الجنود.

كنت أستيقظ كل صباح وأروي لنفسي أحلامي. تتكرّر في مناماتي قصص الوحوش تتكرّر في أحلامي هجراتك العظيمة وأنت مثل طائر أنكر أطفاله. لا أعرف على وجه التحديد لِمَ تعاودني بشدّة هذه الرزايا الآن. هذه التذكارات وكأنّ بي أمام حدث كبير يتكوّن، إنّه الهروب، هروبك. أعيش في هذه اللحظة، وفيما أفكر فيك، بان العالم الذي كونته من ضياعاتك، من النزر القليل منك، يكاد يفرّ مني. لا يمكنني نكران التشفّي بما آل إليه مصير حزبك. لكن في الوقت ذاته أشعر أن العالم البسيط الذي يتكوّن من رؤيتك لبعض الوقت، يهرب منّي الآن. إنّه يتسرّب من بين أصابعي كرملٍ، أوراق أشجار ذابلة تنتهكها العاصفة.. أقف الآن مثل عضاءة وسط هذا العالم. الريح قويّة، مهدّدة، وأنا مشنوق بحبل نكرانك لي، كنت أتذكر، بنوع مدّنس بالشيزوفرينيا، أنّي عالة على هذا العالم، أتذكّر يوم غادرتِ منزلنا وتركتني وعندما سألت جدتي عنك قالت: ذهبت تتزوج، يا للخبال! أمي!، مذاك أعلن الله عليّ الحرب. أعلنت أن أنصاف النهار تساوي أرباع الليل وأنّ الموت أكثر من الحقيقة ولم أفهم وقتها ما الذي يعنيه زواجك. إلا أنّي أدركت بعد ذلك أنك ستنامين مع رجل غيري. تركتني أنتهب فراشي مع شراشف مبللة بكل دموع العالم. تركتني أغرق سريري كل يوم بسقف عدم كفاية حبّك أو شهوة طفولتي، أو أنتظر موعد زيارتك في وسخ انتظاراتي الأبديّة وأنا في كوخي الهمجيّ بانتظار عطاءاتك. وعندما تزوّجتِ وصنعت أطفالًا، هجرتني يا أمّي. صارت زياراتك متقطّعة، متباعدة.

كم كان مؤلمًا، سحيقًا ونائيا، متتاليًا ومتباعدًا، أن أنتظرك أيّتها الضائعة في دروب وطرقات بلا نهاية برغم ابتعادك وكره زوجك لي وهروبك إلى عالمه، كنت أقول لك أرجوك يا أمّي اتركي هذا الحزب، اتركي كل عوالم زوجك الذي غزل حولك ملايين الخيوط. كنت لا تقدرين، بدافع الزوجيّة، إلا أن تدافعي عنه. كنت تقولين إنّك تريدني أن أترك الحزب الشيوعيّ ليس لأنّه حزب بائس مثلما تقول ولكن لأنّك تكره زوجي الشيوعيّ، تكره أطفالي. هل هذا ممكن؟ أقول: لا لا أكره الأطفال ولا زوجك وتعرفين أنّي أكذب وكنت أكذب فعلًا، كنت أريد أن أقتل زوجك، أن أُميته. حلمت مرارًا بأنّي أمسك سكينًا وأطعنه. أعشق أن أقتله وأن أرى الدماء على وجهي وأصابعي ثم ألحس السكين، أشرب الدم وأعوي مثل ذئب جريح. لكن لا يا أمي ليس بسبب هذا فقط. إنما الإشاعات، الإشاعات دمرتني وهي تقول إن الشيوعيّات يمنحن جسدهنّ للكسب الحزبيّ. كنت أتألم جدّا وبصمت أموت كل لحظة وأجلس في فراشي تائهًا. كنت أشعر بالعار، بالدونيّة، باليأس بسبب زوجك الذي جعلك شيوعيّة مرة أخرى بعد أن تركت الحزب سابقًا. كنت أشاهدك في الحفلات التي يقيمها زوجك في البيت. حفلات سكر وعربدة وأصدقاء شيوعيّين ورقص وابتذال، والشيوعيّات في أحضان من يريدون كسبهم للحزب. وكنت أرتعش عندما تمرّ في ذهني صور معربدة عنك. لا، لا أستطيع تخيل هذا الأمر.

كنت أقول لك لِمَ هذه الحفلات؟ اتركيها وكنت تقولين: لا أقدر، لا أقدر بسبب زوجي، إنه يحب هذه الحفلات ويستعملها كوسيلة للكسب الحزبيّ. لقد شعرت من زمن سحيق باليأس منك، وكنت أشعر أن زوجك الخنزير لا يحميك، لا تهمّينه في شيء. كنت أشعر صادقًا أنّه تزوّجك لأنّ لديك وظيفةً جيّدةً وسيّارة ومنزل، وهو إنسان مملوص خارج من زرف الحائط. كنت أحسّ أنّه سيدفعك إلى الهاوية. كنت أقول لك اتركيه وكنت ترفضين، وترفضينني أنا بذاتي. وفي يوم همجيّ مثل وجهه صرخت به: أكرهك، أكرهك، اخرج من البيت الآن، اخرج. وأردت بنوبة الهستريا وانحطاطي وهجوم نوبة الجنون قتله. كان ينظر لي ولك بعين شيطانيّة، صامتًا، قاتمًا، مدنّسًا. ولم أعرف أنه سينتقم منك بعدئذٍ. سينتقم بأن يجعلك تنقلين سند ملكية البيت لاسمه تحت ضغط التهديد أنّه سيتركك إن لم تفعلي هذا، كان يُذلّك. قال لك إن لم تنقلي ملكيّة البيت لاسمه سيتركك، يطلقك.

وكان صعبًا عليك. صعبًا أن يطلق رجل امرأة في العراق. في ثقافتنا العربيّة تصبحين محاطة بذكورة الرجال الهمجيّة وأَلسُن النساء وعهرهنّ ونميمتهُنّ. ستصبحين ضحيةً محطّمة. ولذلك قبلت وغيرتِ ملكيّة البيت لاسمه. وكان شيطانًا خبيثًا وكنت أنت صامتة، هلعة للصّدمة، صدمة ثورتي عليه وتوهّجي وانفعالي وهستيريتي وتهجّمي عليه وتهديدي له بسكين المطبخ، كنت صغيرًا، أجل، كنت صغيرًا جدًّا لكنّي مملوء حبًّا لك، مملوء بالرجولة، مملوء من الروح القدس، وأهجس بإلهام أنّه سيبعث بك هو وحزبه وعهره إلى الجحيم، إلى الجحيم يا أمي، بعد أن جربتِ وامتحنتِ همجيّة حزبهم الشيوعيّ ودكتاتوريّة البروليتاريا إثر المجازر التي ارتكبوها بحقّ الشعب في الموصل وكركوك والنّجف وبغداد والكاظميّة والبصرة عام 1959، عندما سُحل الأبرياء، عندما قُتل الأطفال، عندما هُتكت أعراض النساء، عندما مُثل بالجثث، عندما بُقرت بطون الحوامل، عندما شنقوا الرجال على أعمدة الكهرباء وهم يصرخون (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة) ويستدعون قصَّابين للتمثيل بالجثث ونثر اللّحم على جماهيرهم. وجماهيرهم تصرخ وتريد المزيد والمزيد والمزيد. ربّاه!! وهناك سليمة حزقيل صديقتك التي روت لك قصّتها - أقبل أن تكفر بالعراق وتهاجر إلى إسرائيل وبعد أن عُضت يدها وبعد أن طاردها الرفاق القادة من أجل مضاجعتها. وبعد مؤامراتهم عليها وإخبار الشرطة السريّة بأماكن تواجدها ودورها في تنظيم المظاهرات ضدّ الحكم الملكيّ. سرّب الرفاق للشرطة السريّة بأنّها على علاقة مع المخابرات السوفياتيّة ليُحكم عليها بالإعدام شنقًا مثل أيّ خائنٍ.

عندما أتذكّر تلك الحكايا والمؤامرات، أرتعش، أتوهّج، أشعر بخساستهم وبأنك تمشين في دربهم المليء بالقذارة والحيوانيّة والمثليّة الجنسيّة وهتك أعراض الرفيقات بالقوة والتهديد. كانوا مافيا بكلّ معنى الكلمة بل أسوأ من المافيا عندها قوانين وأصول تعامل. أمّا هم فلا، إذ يبعثون برفاقهم ومؤيّديهم وأصدقائهم إلى الموت من أجل شهواتهم وشذوذهم.

***

الصفحات