كتاب "همس في أذنها" هو مجموعة نصوص صدرت عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، تتميز هذه المجموعة بطابعها الوطني والإنساني والإجتماعي، تتجاوز في مغزاها الحكمة والموعظة الى الفلسفة وتعزيز مفاهيم الحب والعشق للوطن والمرأة، فمما ذكر في احدى القصص (أرضك يا وطن
You are here
قراءة كتاب همس في أذنها
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 8
لماذا؟؟؟
هما صديقان.. ضاق بهما الحال.. فقررا أن يبحثا عن الرّزق في بلاد غير هذه البلاد بعد جدل طويل.. وأخذ وعطاء.. استقرّ الرّأي على الرّحيل الى أمريكا.. بلد الدولار والثراء.. كان لكل منهما طباع وصفات.
الأول: كان كشرا..عبوسا.. ينطق وجهه باللؤم والقسوة.. بخيل بالضحكة.. شحيح العطاء..
استوطن نفسه وعقله مبدأ..(معك قرش تسوى قرش).. ومن منطق هذا المثل أخذ يتعامل مع الدّنيا.. ومن خلاله أيضا كان يضبط خط سير خطواته.
أمّا الثاني: فكان سمحاً بشوشاً مرحاً.. لا تسقط الضحكة عن فمه.. كريما معطاءا..
مفتوح الجيب.. والمبدأ..(اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب).. واطعمني اليوم واشنقني بكره)...احتارت الدنيا معهما.. فما أمكنها أن تجمع بين الإثنين في بيت واحد.. الطّباع مختلفة.. والنفوس أكثر اختلافا.. فهما كريم وبخيل.. متسامح ولئيم.. افترقا وذهب كل منهما يبحث عن رزقه في طريق.
مضت الأيام تتبعها السّنون.. مرض الصّديق الطيّب الكريم.. فذهب الصّديق البخيل لزيارته.. فاستغرب حين وجد المرح والفرح والسعادة مرسومة على الوجه.. وكذلك الضّحكة لا تسقط عن الفم.. والكلام المتفائل الجميل يتسابق على اللسان، فقال واللهجة ملؤها العجب والإستغراب:
- لعل المال الكثير يسعدك وينسيك المرض.
قهقه الصديق وقال:
- والله يا صديقي أنني لم أدّخر من المال ما يقيني شرّ جوع غدي...اتسعت عينا الصديق وازداد دهشة واستغرابا.. يكاد لا يصدّق:
- جوع ومرض وفقر..وتضحك وتقهقه..؟
قال وما زالت بقايا ضحكة تلمع على شفتيه:
- لا تستغرب يا صديقي.. أنا اضحك على الدّنيا.
قال الصّديق والدهشة والإستغراب في ازدياد:
- كيف ولماذا.. ؟؟
هربت الذّاكرة بالصّديق الطيّب لحظة.. ثم أخذ يواصل الحديث :
- كانت الدّنيا تنتظر موتي على أحرّ من الجمر.. كانت قد اعطتني الكثير وصبرت مدى سنوات عمري.. تنتظر أن تكسب صفقة إرثي.. وإذا بها تدور حول نفسها تائهة مندهشة.. حين علمت أنني لا أملك شيئا تأخذه مني...ضحكت على الدنيا يا صديق.. سعدت وانفقت كل ما أعطتني.. صعب عليّ ان أترك متع الحياة وبحر إغراءاتها ومباهجها ومسرّاتها.. وأحرم نفسي لأجل أن ترثني .. وتنعم بتعبي وعرقي، ثم واصل الحديث وقد هرب من الدنيا.. وهربت عيناه عن أعيننا ينظر الى البعيد:
- أنظر.. أنظر هناك بعيد.. بعيد في زاوية الكون إني أراها تبكي... ثم أغمض عينيه وأسلم الرّوح.
ذهب الصّديق حزينا.. يفكّر في حكمة استقاها من حياة صديق عمره الطويلة، فتح جيبه وأجزل العطاء.. يواجه الدنيا.. ويخوض غمارها إنسانا جديد لم تعرفه الدّنيا من قبل.. نهل من ملذاتها.. وسبح في بحر إغراءاتها حتى الثّمالة.. إلى أن أنفق آخر قرش في جيبه.
التفتت إليه الدّنيا شرسة عنيدة.. وكانت شديدة الحساب.. قاسية العذاب، تشرد ومرض وجاع.. ومدّ يد ذلّ السؤال.. حتى اشتد عليه المرض أكثر، فأصابه يأس .. وأخذ يزحف الى الموت باشتياق.
إلا أنّه قبل أن يفارق الحياة.. سمع الدّنيا تضحك.. فاغتاظ يهمس.. والحسرة في القلب نارٍ:
رحم الله صديقي.. علّمني الكلام.. ونسي الأفعال. أعطاني السيف.. ولم يعلّمني النّزال.
ضحك على الدّنيا.. ولم يعلّمني كيف أتّقي شرها.. وأحمي نفسي من سخريّتها وأذى ضحكتها.


