كتاب " سيكولوجية الروحانية " ، تأليف د. حسين ب دانش ، ترجمة د.
You are here
قراءة كتاب سيكولوجية الروحانية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
قضايـا أساسـية
في اليوم الأول لدراستي الطب، قبل أربعين عاماً، عُيّنت في قسم الطوارئ. كان برنامجي في كلية الطب التي التحقتُ فيها يتطلب ست سنوات من الدراسة التي تجمع بين العلوم الطبية الإعدادية والتدريب المهني الطبي. والطلاب الملتحقون بالدراسة كانوا ممن أنهوا الدراسة الثانوية حديثاً، وكثيرٌ منا كانوا شباباً، وكان عمري آنذاك ستة عشر عاماً.
ما كِدتُ أصل غرفة الطوارئ حتى جاءت سيارة إسعاف ومعها خمسة أفراد من أسرة واحدة تتراوح أعمارهم بين الرابعة عشر وواحد وثمانين عاماً. كانوا يعانون من تسمم بغاز أول أكسيد الكربون. في تلك الغرفة التي لا تعرف الإبطاء، كان لكل واحد مسؤوليته المحددة، ومهمتي أن أساعد المرضى على التنفس بغاز الأكسجين أو بالتنفس الاصطناعي من الفم وأي إجراء آخر أراه ضرورياً متّتبعاً خطوات زميلي الطبيب الذي تولّى حالة مصاب آخر. مرّت ثلاث ساعات ونحن في هذه التجربة القاسية وكأنها العمر كله، ثم ... توقّفنا. كان نصيب المصابين الخمسة أن فارقوا الحياة. وقفتُ مشدوهاً وخِلتُ نفسي أَنّي فاقد الحس وغير راغب في التفكير بتجربتي الأولى هذه. ومع ذلك، لم يُقَدَّر لحالتي من الوجوم أن تستمر طويلاً إذ أحضروا مرضى آخرين وعيّنوا لي مهمة تنظيف لُطَخ الدم المتجلّطة، تحت إشراف الممرضة، من على وجه مصاب بحادث دراجة وتجهيزه لفحص الطبيب. وبينما كنت أزيل تجلطات الدم ومتعلقاتها عن وجه الشاب بكل حذر وعناية ذهلتُ عندما تبيّن لي أنه أحد أصدقائي المقرَّبين. تملّكني الخوف والألم ولكن عليّ أن أستمرّ في عملي وإنجاز مهمتي. وكم أراحني عندما سمعته ينطق ببعض الكلمات واتضح لي بعد ذلك أنه سيشفى.
بعد ظهر ذلك اليوم اجتمع عدد منا لتبادل تجاربنا في يومنا الأول بوصفنا طلبة طب. كانت معظم التجارب مثيرة للمشاعر أو هكذا بدت، أما أحدنا فكانت له تجربة خاصة غير عادية. لقد كُلّف بمراقبة المؤشرات الحيوية (النبض والتنفس والحرارة لعدد من المرضى). صادف أن كان بينهم مريض من القبائل الرُّحّل ولم يسبق له أن دخل أي مستشفى. وضع زميلنا جهاز التيرموميتر في فمه لقياس حرارته ثم تركه ليتكلم مع مريض آخر مجاور، ولما رجع وجد أن التيرموميتر قد اختفى، وبمنتهى البساطة ابتلعه المريض. هرع الأطباء والممرضات لنجدته وبدأوا في معالجة الحالة خوفاً من التسمم بفعل الزئبق، وطلبوا من زميلنا الطالب أن يبدأ بفصل بياض البيض لإعطائه للمريض كجزء من العلاج.
عندما فكرتُ مليّاً بتلك الأحداث أدركتُ أنها أكثر من كونها طبية بحتة. فأولئك الذين ماتوا نتيجة التسمم بغاز أول أكسيد الكربون كانوا أيضاً فريسة الفقر والجهل، فجسَّدَتْ وفاتُهم أمامي حقائق الحياة والموت. أدركتُ مدى سهولة حدوث الوفاة وإمكانية تفاديها أيضاً. إن ما يحمله الأمر برمّته من ظلم وإجحاف، وإيماني بأن حالات الموت تلك يمكن تفاديها أحياناً، كل ذلك أثار غضبي، كما أن حادث الدراجة قد أثار فيّ شعوراً آخر؛ الخوف من فقدان أعزائي. بدأتُ التفكير في مَن أُحبهم، ومَن منهم يمكن أن يُصاب بحادث أو مرض أو موت، وانتهيتُ بحادثة المريض القَبَلي. شعرتُ حينها بضيق نفسِيٍّ من ذلك البَوْن الشاسع الذي أراه بين الناس. إنه فجوة يخلقها في البداية تبايُنٌ في التعليم والثقافة وتجارب الحياة التي جعلت من زميلي عديم الخبرة إنساناً غير مدرك لأهمية التخاطب مع الآخرين لأنه بكل بساطة افترض أن كل واحد غيره يعرف كل ما هو واضح لديه ومدرك له، وكان من المتوقع لي أن أتصرف بالأسلوب نفسه في ظروف مماثلة. ومع أنني كنت على يقين دائماً بأننا كلنا في الحقيقة واحد، إلا أنه عملياً رأيت أننا متباعدون تماماً.


