You are here

قراءة كتاب سيكولوجية الروحانية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سيكولوجية الروحانية

سيكولوجية الروحانية

كتاب " سيكولوجية الروحانية " ، تأليف د. حسين ب دانش ، ترجمة د.

تقييمك:
3
Average: 3 (1 vote)
المؤلف:
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 6

في السنوات اللاحقة تعرّضتُ لكثير من تلك الأحداث أثناء عملي كطبيب باطني وأخصائي في الأمراض النفسية وتعاملتُ مع بعض تلك الحالات الهامة التي تهمّنا جميعاً. إن الأهم من بينها هو ما يتعلق بالحياة والموت وما يلازمه من اعتبارات أخرى من قبيل البحث عن السعادة والحب والرضا، وكذلك الخوف والألم والمرض والفقدان والرفض، ثم اهتمامات أخرى مثل الهدف من الحياة وطبيعة العلاقات وسرّ البلاء والمعاناة، والقائمة تطول وتطول إلى أن وصلتُ إلى استنتاج بأن اهتمامات الإنسان بالغة التعدد وربما لا حدّ لها.

ومع ذلك يمكن تصنيف هذه الاهتمامات بمجموعتين: اهتمامات خاصة بالبقاء في الحياة وأخرى خاصة بالهدف من الوجود. الأولى تحفزنا إلى تأمين الغذاء والحماية والمأوى لأنفسنا، والثانية تتحدّانا لنجد الهدف والمعنى لكل ما نقوم به. فالأولى تربطنا بعالم الحيوان وتذكّرنا بموروثنا البيولوجي، والأخرى تشير إلى طبيعتنا الروحية ودورها الهام البارز في حياتنا. فالحياة في حقيقة الأمر تكون مؤلمة وغير مرغوب فيها وعبئاً ثقيلاً لا يُحتمل إذا خَلَتْ من معناها وهدفها. فمنذ القِدَم عرف القائمون على العلاج أن العديد من حالات الإنتحار، وحتى جرائم القتل، إنما تحدث في ظل حياة لا معنى لها ولا هدف.

* * *

في صبيحة أحد الأيام قبل عدة سنوات دُعيت إلى قسم جراحة الأعصاب لتقديم استشارة في الطب النفسي. وجدت هناك رجلاً جالساً في السرير حائراً قرأت في وجهه إمارات الذهول وكان في منتصف عمره تقريباً. في تبادل الحديث معه أخبرني بأنه أمضى حياته منعزلاً ولم يتزوج لأنه لم يجد مَن ترضى به. لم يفلح كثيراً في المدرسة، ولم يُكْمل دراسته بعد الثانوية. حصل على وظيفة بسيطة وعاش حياة مملّة حسب وصفه لا هدف فيها ولا حَدَثاً يُذكر. قرر، وهو في الخامسة والخمسين، أن لا سبب يدعوه إلى الاستمرار في الحياة، وخَلُصَ إلى أن حياته أصبحت بائسة وعبئاً ثقيلاً لا قيمة لها فقرر الإنتحار.

خلق قراره هذا درجة من التهيُّج في نفسه وحالة من الترقُّب. كان ينظر إلى نفسسه دوماً على أنه إنسان فاشل، إلا أنه في هذه المرة لن يقبل الفشل فوضع لنجاحه خطة مُحكمة، إذ رسم لانتحاره طريقة سهلة ومضمونة توصّل إليها بأن يضع فوّهة المسدس في فمه ويضغط على الزناد. اشترى المسدس ونفّذ قراره. ولشدّ ما كانت دهشته عندما اكتشف أنه لم يفشل في قتل نفسه فحسب، بل حتى لم ينجح في أن يصيب مخّه بأي أذى أيضاً، إذ استقرّت الرصاصة بين فلقتي المخ دون أن تصيبه بضرر واضح دائم أو ذي أهمية تُذكر. ابتسم وهو يسرد لي قصته وختم كلامه بقوله: "الخاسر مرة هو الخاسر دائماً".

خلال تعاملي مع هذا الشخص لمستُ فيه منتهى الطِّيبة، وكان في الواقع يَعتبر هذه الصفة أعظم ما يتحلى به من فضائل. في مواجهته الموت لم يخجل من الإقرار بانه شخص طيب محب يراعي مشاعر الآخرين مع أنه يعتبرها صفات ثانوية أمام مواهب الكفاح وروح المغامرة والحافز القويّ والنجاح وهو ما يفتقر إليه في اعتقاده. كان في فكره يقلّب النظر في النظام السائد في مجتمعنت ويفكر في قيمته، وما يعتبره المجتمع إمارات هامة للإجلال والهيبة والنفوذ والنجاح. لذلك، بعد خمسة وخمسين عاماً من مجرد بذل المجهود للبقاء حياً، ثم المحاولة الفاشلة لانتحاره، قرر القيام بعمل تطوّعي في المستشفى، وبذلك منح حياته هدفاً أو غاية واكتشف البُعد الروحاني لذاته وكينونته.

كلنا حائزون على ذلك البُعد الروحاني. فالطبيعة البشرية تميزها عن الطبيعة الحيوانية فضيلة صفاتها الروحانية الخاصة. فبينما يتساوى الإنسان والحيوان في النواحي الجسمانية، إلا أننا نصبح بشراً حقيقيين حين تصبح طاقاتنا البيولوجية والغرائزية وسائل نعيش بموجبها حياة زاخرة بالمعرفة والمحبة والتفكّر والبحث ولها هدفها وغايتها، فنكتشف إنسانيتنا عندما نبدأ في البحث عن إجابات لأسئلة عدة تتحدى تفكيرنا:

- لماذا نحن في هذا العالم؟

- كيف أتينا؟

- إلى أين ذاهبون بعد هذا العالم؟

- ما طبيعة عقولنا وأحاسيسنا وأفكارنا؟

- ما طبيعة المحبة الإنسانية وما شأنها بعلاقاتنا؟

- هل من خالق للكون، وحياة بعد الموت، وهل هناك من هدف لما يحدث في حياتنا؟

إنها أسئلة جعلتني أُركّز اهتمامي على مريضتي كارول.

Pages