كتاب " سيكولوجية الروحانية " ، تأليف د. حسين ب دانش ، ترجمة د.
You are here
قراءة كتاب سيكولوجية الروحانية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
استطاعت تلك الدراسات بالتدريج أن تفصل بين الخلط الموهوم من العقائد الدينية وما توصّل إليه الطب من نتائج، وأخذ يتشكّل بكل بطء توجُّهٌ نحو تفهُّم حالة الإنسان النفسية والإنفعالية، وأصبح سلوك الإنسان بشكل متزايد ميداناً للتجارب الطبية وعلماء السلوك الإنساني، وغدت أساليب العلاج أكثر ميلاً للإنسانية. هذا وقد ابتكر الفيلسوف الألماني غوكل (Gockel) – 1547 – 1628 – كلمة (سيكولوجي) مؤكِّداً على أهمية العلاقة التفاعلية المستمرة بين الجسد والعقل.
في عام 1793 عُيّن فيليب بينال (Philippe Pinel) – 1745 – 1826، وهو أبو السيكولوجية الحديثة، مشرفاً في مستشفى بيساتر (Bicetre) وبعد ذلك في مستشفى سلباتريار (Salpetriere)، وهما مؤسستان للعناية بذوي الأمراض العقلية، للرجال في الأولى وللنساء في الثانية. فكان بينال بحق هو الذي حرّر المرض العقلي من قيوده .
وكيفما كان الأمر، فإن التقدم الأهم في ميدان علم النفس الحديث قد أخذ طريقه في أوائل هذا القرن (العشرين) عندما نشر فرويد كتابه "تفسير الأحلام" عام 1900، وكتباً أخرى بعد ذلك. تحدّث فرويد عن جهوده وصراعه من أجل الوصول إلى إدراك ذاتي أعظم. وطبقاً لما ذكره برونو بتلهايم (Bruno Bettelheim)، أستاذ علم النفس وطب الأمراض النفسية والعقلية في جامعة شيكاغو (الولايات المتحدة): "إن ترجمة كتابات فرويد إلى اللغة الإنكليزية قد شوّهت الكثير من جوهر الفلسفة الإنسانية التي زخِرت بها النصوص الأصلية لهذه الكتابات". خاصة وأن تلك التشوهات كان لها التأثير الهام في الطريقة التي قُدّمت فيها النظريات الأصلية للتحليل النفسي التي تُعتَبَر "مناشدات شخصية عميقة لإنسانيتنا العامة" وقد قُدّمت تلك التشوهات بلغة "علمية" مجرّدة عن الشخصية والإنسانية.
أشار بتلهايم إلى أن النصوص الأصلية باللغة الألمانية أكدت على القسم الأول من كلمة (Psychoanalysis) وهو (Psyche) ويعني النفس ويُعتبر تعبيراً زاخراً بأثمن المعاني، بينما في الترجمة الإنكليزية كان التأكيد على القسم الثاني من الكلمة (analysis)، أي الجزء الخاص بالتحليل، متجاهلاً بشكل عام حقيقة أننا نتعامل مع النفس البشرية. وبيّن بتلهايم أن "فرويد كثيراً ما تحدّث عن النفس، طبيعتها وتركيبتها وتطورها وصفاتها وكيف أنها تكشف عن نفسها في كل ما نفعله ونحلم به."(5)
كان الهدف الأصلي من التحليل النفسي تشجيع الناس وحفزهم على التأمل في دوافعهم ومشاعرهم من منطلق حياة الجسد وحياة النفس والروح، بيد أن المجتمع الغربي، خاصة في أمريكا الشمالية حيث أصبح أكثر توجُّهاً نحو المادية، قد عمل على تبديل ميزة التحليل النفسي وأهدافه الأولية وأنشأ بذلك مدارس حديثة لطب الأمراض النفسية والعقلية " قائمة على التوجّه نحو قوى الإدراك والسلوكيات أو القيام بالوظائف الحيوية (Physiologically) متمشياً مع، ومركّزاً تركيزاً شبه تام على ما يمكن وضعه من مقاييس يمكن الإستدلال بها أو بما يمكن ملاحظته في الظاهر ..." (6)
أخذ علم النفس في هذا القرن في البروز حتى أصبح ميداناً هاماً معترفاً به يستحق الدراسة، وتضاعفت أساليب العلاج النفسي، ودخلت الخدمات النفسية جميع القطاعات في حياتنا من تعليم وثقافة وصناعة ثم المؤسسات والجماعات والأفراد، كما أن المصطلح السيكولوجي الحديث قد تغلغل بين الأحاديث العامة والأمثال الشعبية في المجتمعات الغربية. وهكذا نجد أن كثيراً من السلوك البشري، خاصة ما يتعلق منه بالجنس وبالسلوك العدائي، يتم بحثه تحت مصطلح "النفسي" الذي يحدد لنا كيفية التفكير في مثل هذه المواضيع. إلا أنه لازَمَ ذلك التصاعد نحو المفاهيم النفسية تراجُعٌ واضح في أهمية التعاليم الدينية السائدة وتأثيرها في المجتمع. ونتيجة لتنامي الإهتمام بالسيكولوجية وهبوط التوجه نحو الدين تناقصَ الإهتمام بالنواحي الروحانية للحياة أو كاد ينمحي بالكلية.
فإلى جانب مدارس التحليل النفسي كانت هناك مساهمة عظيمة من قبل مدارس رئيسة أخرى تتوجه نحو دراسة السلوكيات وقوى الإدراك، وما يختص بالوجود، والحركة الإنمائية والإنسانية. وبذلك ازداد تفهّمنا للقوى الغرائزية والجسمانية والنفسية الإجتماعية وكيفية تأثيرها في تكوين شخصياتنا وأنماط حياتنا. إننا الآن أكثر إدراكاً لأهمية ما نمرّ به أثناء طفولتنا في تشكيل شخصياتنا، ونعرف الجذور الجنينية لبعض الإضطرابات الرئيسة التي تصيب العقل، ونحن الآن في بداية تفهمنا للتشكيلات الكيميائية الحيوية للإضطرابات العاطفية وانفصام الشخصية وبعض الأمراض العقلية الرئيسة الأخرى، كما طوّرنا وسائل جديدة وفعّالة للعلاج النفسي ومعالجة المشاكل الزوجية والأُسرية والعلاج الجماعي (Group Therapy)، كما بدأنا، بشئ من النجاح، في تطبيق رؤانا النفسية على جوانب الحياة الإنسانية، الإقتصادية منها والسياسية.
على أنه رغم هذه الإنجازات الكبيرة فقد اتخذ علم النفس الحديث بشكل متزايد منحىً آلياً لا حياة فيه في توجّهاته وتكيّفه مع ظروف الحياة المادية، وأكثر من ذلك ازدياد التأكيد على العقاقير الكيميائية والاعتماد عليها عموماً في تهدئة حالات التوتر والإضطراب ومعالجة ما يصيبنا من إحباط وكآبة والتقليل من شعورنا بالقلق والإرتباك. ومن ناحية أخرى نجد أنفسنا بشكل متنامٍ أمام وسائل وخطوات جديدة من شأنها أن تساعدنا في التغلب على إدماننا على الأدوية، والإفراط في الطعام، والعمل المُجهِد، وفيما يخص علاقاتنا أيضاً مع الله سبحانه وتعالى ومع كل شئ حولنا. يقال لنا بلا تردد بأننا ضحايا، وعليه يترتب علينا أن ننتقم ونسلّط جام غضبنا على من أساء إلينا أكانوا أبوينا أم أفراد أسرتنا، أصدقاءنا أو الغرباء. شرع علماء النفس وأطباء الأمراض العقلية في تحليل وتفسير الأسباب الجذرية للإضطرابات السلوكية مثل العنف والقسوة والظلم والتعصب والجشع والأنانية والتنازع وغيرها، فخَلُصوا إلى تفسيرات تتعلق بالنواحي الغرائزية والوراثية والوظائف الجسدية الحيوية والإيثولوجية (دراسة علمية لسلوك الحيوان).
لقد خاب الناس في أملهم وارتابوا من مدارس الفكر السيكولوجي الرئيسة، ولذلك نراهم وقد لجأوا إلى حركات الأفكار المتطرفة بمزاعمها الخيالية وتوجّهاتها المتعصبة، حتى أن تلك الحركات أخذت في كثير من الأحيان تبدّل المعقول بغير المعقول، وبذلك تغيَّرَ أسلوب العلاج من جوٍّ مفعم بالمحبة والمشاعر الطيبة إلى أفكار تُرضِي غرور أصحاب تلك الأفكار وتُشبع رغباتهم.
أخذت هذه الظروف مكانها في ظل غياب اعتبار البُعد الأساسي للطبيعة البشرية، وهو البُعد الروحاني، أو بسبب إساءة فهمه. فغياب هذا البُعد عن أساليب العلاج السائدة قد سبب حالة من الإفلاس الخلقي والأدبي، فتحولت بذلك قداسة العلاج إلى ميدان للنزال والعراك. ذلك لأن في العلاج لا بد من توفُّر متطلبات من المحبة والثقة التامة الخالصة، وبدونها يصبح جو العلاج مشحوناً بالغضب والريبة. فكلا المعالِج والمريض يكونان في قلق على السواء؛ فالأول يخشى الإتهام والثاني يخاف الضرر، وكل منهما يدخل باب العلاقة بينهما بشئ من الشك وعدم الإرتياح، وإذا كانت هناك من نتائج إيجابية في العلاج فتكون في أقل درجاتها. والآن وقد حرر علم النفس الحديث نفسه من القيود التي كبّلته، وفتح الأبواب التي كانت موصدة أمامه ومحظور الإقتراب منها، وتبدلت الشعوذة بالرؤية العلمية الناتجة عن الدراسة والتحليل، وصُقِلت عملية اكتشاف العلاج الفجّة في السابق بفهم للكيمياء التي تعمل داخل المخ، أصبح هذا العلم جاهزاً الآن للتركيز على البُعد الروحاني للحقيقة البشرية.
إن الهدف الرئيسى لسيكولوجية الروحانية هو دمج النواحي الجسدية والنفسية والروحانية في وحدة واحدة للخروج بمفهوم أشمل وأكثر توازناً للطبيعة البشرية واحتياجاتها. استطعنا الآن أن نُرسي قاعدة صلبة لفهم الإنسان في حالتي المرض والصحة. إننا على يقين الآن بأن الفصل بين الجسمانية والنفسية، الجسد والعقل، ما هو إلا فصل اعتباطي لا يخضع للتحليل السليم. فكل حالة إنسانية إنما هي مزيج من الجسماني والنفسي. فالجسد والنفس يؤثر كل منهما على الآخر. فبينما تكون الحالة في الظاهر جسمانيةً في بعض الأحيان أو نفسية في أحيان أخرى فإنها في واقع الأمر تكون مزيجاً من الحالتين، ومع ذلك لا نعني بقولنا أن هذا الوضع ينطبق على جميع الحالات.
إننا في عصر نشاهد فيه أحد اتجاهات ثلاثة: اتجاه متطرف مقتنع أصحابه بأن الحالات التي يمرّ بها الإنسان من صحة ومرض إنما هي جسمانية مادية في طبيعتها، وبالتالي تلزم معالجتها مادياً، أكان ذلك بالعقاقير الطبية أو الجراحة أو في نمط من الغذاء أو بالتمارين الرياضية أو أي وسيلة أخرى يمكن بواسطتها تغيير أداء الجسم وحالاته. أما الإتجاه المتطرّف الثاني فيصرّ معتنقوه على أن جميع حالات الإنسان في الصحة والسقم إنما هي نفسية في طبيعتها، وعليه يجب معالجتها بالأساليب النفسية مثل المداخلات النفسية وبالمواد المؤثرة على العقل والتمارين الخاصة به، بالإضافة إلى بعض الطقوس الدينية والسحر. فمروّجو هذين الإتجاهين متمسكون بآرائهم ويُبدون في بعض الحالات استعدادهم للذهاب إلى أقصى الحدود حتى لو تسبب ذلك بمزيد من الضرر والأذى للشخص أو اِلأشخاص المعنيين. وجماعة كبرى تقف بين هذيْن الإتجاهيْن المتطرفيْن وتبدي استعدادها للعمل بما فيهما من جوانب مفيدة – العلم والمعرفة إلى جانب التبصّر في الحالة وإدراك جذورها.
إن أعلى ما تم التوصل إليه في جوانب هذه الإتجاهات الثلاثة تلك الطريقة التي يتعاملون فيها بالموضوع بموجب النظرية الثنائية أو الإزدواجية (Dualism)، وهي نظرية تعتبر الكيان البشري مكوّناً من عنصرين متضادّين وغير قابليْن للتغيير، أي المادة والعقل، الجسد والروح، أو المادي والروحاني، وهي نظرية مشكلة بحد ذاتها لأنها تجزّئ الحقيقة الإنسانية بينما هي في جوهرها واحدة غير قابلة للتجزُّؤ. وفي سبيل التغلب على هذا الموضوع الشائك مالَ معظم العلماء في هذا العصر، وبكل بساطة، إلى اعتبار أن المخ مجرد تركيب كيميائي معقد إلى جانب شبكة كهربية فاعلة تعمل في داخله. إذن فهو مادي في جوهره، وبالمنطق نفسه وجدوا حلاًّ لمشكلة الجسم والنفس والمادي والروحاني وانفصامهما متنكرين لحقيقة النفس وصحة ما هو روحاني. وبالمثل فإن أولئك الذين اعتبروا أن حقيقة الإنسان إنما هي شؤون نفسية قد حاولوا تعليل كل الحقائق الملموسة والمدرَكة في إطار سيكولوجي، وهو خطأ مماثل لما وقع فيه علماء الطبيعة المادية. أما المجموعة الثالثة فقد فقدت الأمل تماماً في حلّ هذه المعضلة.
وكما سنلاحظه في تطرّقنا لموضوع سيكولوجية الروحانية، فليس هناك أية ثنائية في حياة الإنسان الحيّ. فالإنسان وِحْدة واحدة ينسجم فيها وجهان مميزان لحقيقته؛ المادي والروحاني. وعليه، فإن سيكولوجية الروحانية تنظر إلى الطبيعة البشرية على أنها كيان موحّد متناسق تعمل فيه قوى ثلاث تمدّه ب : المعرفة، المحبة، الإرادة.
إن جميع حالات الإنسان في الصحة والمرض وفيما يتعلق بالحياة والموت إنما نختبرها ونتفهمها بواسطة قدراتنا في: المعرفة، المحبة والإرادة. فطريقة حياتنا وتجاربنا فيها وتفهّمنا للفرص المتاحة والتحديات الماثلة والتعامل معها يعتمد كل ذلك على تلك القوى الثلاث. فسيكولوجية الروحانية تشرح لنا الحقيقة البشرية وتبين تجارب الحياة ضمن هذا الإطار. وبناء عليه، سوف نركّز بحثنا الآن على المعرفة والمحبة والإرادة، وهي خصائص النفس لدى كل منا. وسنبدأ أولاً بمراجعة للطبيعة البشرية والمفاهيم الخاصة بالنفس والروح.


