كتاب " سيكولوجية الروحانية " ، تأليف د. حسين ب دانش ، ترجمة د.
You are here
قراءة كتاب سيكولوجية الروحانية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
في البحث عن المغزى : حالة كارول
حالة للدراسة
تبلغ كارول من العمر خمسة وثلاثين عاماً، متزوجة وأم لطفل عمره أربع سنوات. طلبت المساعدة في معالجتها مما تشعر به من توتُّر نفسي نتيجة مرضها الخطير. فمنذ أربع سنوات تقريباً، وكانت لا تزال ترضع طفلها، اتصل بها طبيبها هاتفياً ليخبرها بأنها مصابة بسرطان الثدي بعد تشخيص حالتها.
كانت صدمةُ الخبر وأسلوب الطبيب في الإخبار قوية بحيث تركتها في حالة من الغضب والخوف والاكتئاب. لم يكن غضبها لإصابتها بالمرض الخبيث فحسب، بل من الطريقة التي خلت من الإنسانية التي سلكها الطبيب في نقل الخبر إليها. شعرت بأن الله قد تخلّى عنها، لا بل وأبناء جنسها أيضاً، وأنها الآن وحيدة بلا معين. ساورها اعتقاد بأن وجودها أصبح في خطر ولا تملك إلا القليل لتفعله تجاه حالتها. خفّ رَوْعُها إلى حدٍّ ما عندما أكّد لها الأطباء والجراحون المشرفون عليها بأنه من الممكن شفاؤها تماماً بعد إجراء عملية جراحية لاستئصال الثدي وبعلاجات مضادة للسرطان بعد ذلك، وأن بمقدورها الاستمرار في حياتها بشكل "شبه طبيعي". ولما كانت كارول على درجة عالية من الثقافة وتعير أهمية كبرى "للعلم" فقد شعرت بالاطمئنان على مستقبلها. خضعت للجراحة ثم العلاج الكيماوي الذي تسبب في تساقط شعرها ثم القئ والتعب والهزال مما أشعرها بالتعاسة. وأمام اعتقادها بأنها ستتخلص من السرطان في النهاية اعتبرت أن ما مرّت به يستحق المعاناة.
خلال تلك الفترة ساورت كارول أفكار عابرة حول: الله، الموت، الحياة بعد الموت. لم تأخذ منها الكثير من التفكير؛ فالموت عندها عبارة عن نهاية وجودها في هذا العالم لا أكثر ولا أقل، أما عن موضوع وجود الله فليس هو بأكثر من اهتمامها بحياتها ثم موتها، ولذلك أخذت تركّز تفكيرها على علاجها مبتعدة عن التفكير بالموت وما يتعلق به.
وبعد سنتين من العلاج عاودها السرطان من جديد وبذلك غاب عنها أي أمل في الشفاء، بل إن المرض أخذ في الانتشار وهذا ما وضع كارول في موضع لا تحسد عليه. شعرت بالخديعة؛ فالعلم قد خذلها، ومالت إلى الاعتقاد أن الطب كذب عليها، الأمر الذي وضعها في عزلة تامة لتعيش مع مرضها وحيدة. ومع ذلك راجعت الطبيب أملاً في وسائل أخرى ممكنة للمساعدة. أخبرها الطبيب أن علاجها سيكون كما في السابق ولكن بجرعات أقوى وعقاقير تسبب مزيداً من الضعف لجسمها، وسيكتب لها المسكّنات إذا ما بدأ يداهمها الألم ثم بالمهدئات عند الحاجة وسيوفّر لها استشارة نفسية عند الضرورة.
بعد حصولها على هذه المعلومات انهمكت كارول في إجراء بحث مضنٍ حول كل ما يتعلق بالسرطان؛ أسبابه وعلاجه. قرأت وتثقّفت بكل ما له علاقة به، ودرست علاقته بالإنفعالات والأحاسيس وبالغذاء والفيتامينات خاصة فيتامين C. اطّلعت على طرق العلاج البديلة غير المتوفرة في المؤسسات الطبية المعروفة، واستشارت أطباء ووكالات أخرى في حالتها. أخذت تتناول كميات كبيرة من فيتامينC ، وفيتامينات أخرى مختلفة وغيّرت من غذائها وأوقفت العلاج الكيماوي وجلسات الأشعة، وقررت أن تستشير طبيباً للأمراض النفسية حول النواحي العاطفية المتعلقة بمرضها.
في ذلك الوقت أخذت كارول موعداً لزيارتي في العيادة. رأيتها في غاية التعاسة والتوتر واليأس والغضب. وجدتُ من المهم أولاً أن أواجه حُنقها على مهنة الطب، فأخبرتُها أن الأطباء مثلها تماماً عاجزون عن مواجهة الموت ولكنهم يحاولون تفاديه، ولذلك يركّز معظمهم على معالجة المرض في الدرجة الأولى وإذا فشلوا يركّزون على وسائل الراحة البدنية لمرضاهم، وغالباً ما يتفادون مع الأسف الخوض في ما قد يصاحب المرض المستعصي من أمور تأخذ بتفكير المريض من قبيل: الهدف من الحياة، دواعي الألم والمعاناة أو ماهية الموت، وكثير من العاملين في حقل الطب يعتقدون أن الأطباء غير ملزَمين بالاهتمام بالأبعاد النفسية والروحية التي تصاحب المرض.
وهكذا غدا الطب المعاصر في معظم فروعه أداءً آلياً يخلو من المشاعر الإنسانية مركّزاً في أغلب الأحيان على الجسم وعِلَلِهِ مع قليل من الانتباه إلى تَبِعات المرض النفسية وأقل منه على الأبعاد الروحية. فالمرضى الذين يطلبون العون في أي من هذين المجالين يُحَوَّلون إلى أطباء الأمراض العقلية والأطباء النفسانيين ليجدوا عندهم العلاج النفسي والعاطفي، ثم إلى رجال الدين لمعالجتهم روحياً. هذا الانفصام في أسلوب العناية بالمريض غير مُرْضٍ إلى حدّ كبير خاصة لمن ينتظرون موتهم أو موت من يحبون.
كانت كارول وأسرتها في أزمة حادة للغاية عندما بدأت جلساتي معها، وكانت تريد أن تعرف ماذا يمكن للعلوم الطبية أن توفره لها، وماذا عليها أن تفعل حتى تسيطر على المرض، وكيف يمكنها أن تجهّز نفسها للأيام المقبلة، وما إذا كان في ماضيها ما جعلها عرضة لإصابتها بالسرطان، وهل هناك أنواع من المعالجة لم يقرّها العلم وتفيد التقارير عنها بأنها فعّالة؟ وإذا فشلت مساعي الأطباء إلى جانب مجهوداتها الشخصية في التغلب على المرض والشفاء منه، فإنها تريد أن تعرف كيف تجهّز نفسها لمواجهة الموت، وفوق ذلك كله عليها أن تعرف كيف تهيئ ابنها وزوجها ووالديها لتلك الساعة.
قد يعترض أحدنا قائلاً بأن معظم هذه الأسئلة لا تدخل ضمن الدائرة "المعهودة" للطب الباطني والنفسي، ولا أحد يعمل في حقل الطب يمكن أن يكون مؤهلاً للإجابة عن مثل هذه الأسئلة التي تتعدى ميدان الطب إلى العلوم النفسية والاجتماعية والدينية. إنه اعتراض له ما يبرره في مجال واحد، ولكن قبل ان نعفي أنفسنا من الإجابة عن تساؤلات هذه المريضة وأمثالها بحجة أنها تساؤلات ليست في محلها ولا علاقة لها بالموضوع، من الأجدى أن نعيد النظر في حالتها بصورة أكثر تكاملاً واتِّساقاً.


