You are here

قراءة كتاب سيكولوجية الروحانية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سيكولوجية الروحانية

سيكولوجية الروحانية

كتاب " سيكولوجية الروحانية " ، تأليف د. حسين ب دانش ، ترجمة د.

تقييمك:
3
Average: 3 (1 vote)
المؤلف:
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 9

نحو السيكولوجية في إطار الروحانية

في سياق استعراضنا للحالة التي مرّ ذكرها تبرز أمامنا تساؤلات عدة:

ما حقيقة طبيعة الإنسان؟

كيف يتفاعل الجسم والعقل؟

هل للروح وجود، وإذا كان الأمر كذلك فما هي خصائصها وصفاتها؟

هل هناك حياة بعد الموت، وإذا كان الأمر كذلك فما نوع تلك الحياة؟

وأخيراً هل للروحانية وجود واقعي، فإذا كان الأمر كذلك فما هو كنه هذا الوجود؟

تلك أسئلة وغيرها لازمتنا منذ القِدَم عبر تاريخ الإنسانية. فمنذ مائة ألف عام تقريباً كان لأجدادنا طقوسهم الخاصة في دفن الموتى إذ وضعوا لهم الحُجُبَ وأبدوا اهتماماً كبيراً بالموت وبالأرواح الشريرة والقوى التي تفوق إدراك الإنسان. كان هذا قبل ابتكار لغة يتم فيها التخاطب بين الناس بستين ألف عام. لم يكن في الأزمنة القديمة لدى الناس أي تمييز بين الأحاسيس الجسدية والمشاعر النفسية والروحية، فما يصيب الجسد والنفس والروح من مشاكل ومعاناة كانت تُعزَى إلى عمل الشيطان أو من فعل الآلهة أو كانوا ينسبونها إلى السحر أو طرد الأرواح أو أنها للتطهير أو نوع من مؤثرات دينية غامضة (شامانية) أو للعقاب أو في سبيل الفداء.

منذ فجر الحضارة الإنسانية، وفي ثنايا مختلف الثقافات القديمة كان الإعتقاد بالأرواح ومدى تأثيرها على القلوب والعقول شائعاً بين الناس. ففي الكتاب المقدس نطالع إشارات تدل على حالات من الجنون يمكن اعتبارها عقوبة نتيجة لعصيان أوامر إلهية. ولنأخذ مثلاً شاؤول الذي عانى طفولة غير طبيعية، ثم أصيب بالإضطراب والخَبَل فيما بعد وأخيراً أنهى حياته منتحراً. كما نجد في الثقافة اليونانية والرومانية والفارسية والمصرية والصينية اعتقاداً شائعاً بأن هناك أسباباً خارقة للطبيعة وراء الإضطرابات العقلية.

إن مفهوم الفصل بين الروح والصفات الجسدية قد تطرَّق إليه، من الناحية الفلسفية لأول مرة، الفيلسوف هيرقراط (Heraclitus) الذي عاش بين 540 – 475 قبل الميلاد، وسرعان ما تبِعه بعد ذلك أبوقراط (Hippcrates) – 460 – 355 ق.م، حيث بيّن أن الحزن ومسبباته ثم التبصّر والمعرفة ومختلف الإحساسات إنما مصدرها العقل، وزاد على ذلك بأن قال: إذا كان العقل غير سليم صحياً سنجد أنفسنا فريسة "الأحزان والمعاناة والكآبة ومشاعر الأسى والتفجّع" وحالات أخرى غير طبيعية (1). ثم جاء بعده أفلاطون (Plato) ليقرر بأن للروح أجزاءً ثلاثة: الشهوة، العقل، الإنفعال. وهو ما يشبه إلى حدٍّ كبير ما صنّفه فرويْد (Freud) ب: هذا (Id)- أي الشخصية، الأنا (Ego)- أي الغريزة الجسدية، ثم الأنا العليا (Superego) - أي المشاعر غير الجسدية.

استمر عبر التاريخ اعتقاد بوجود علاقة بين الحالات النفسية والعقلية من جهة والمفاهيم الروحانية من جهة أخرى مما كان له أثره على حياة الأفراد والمجتمعات من جميع الثقافات. ومنذ القدم ظهرت أفكار متنوّرة عن طبيعة النفس البشرية مع أنها كانت محدودة. وفي الوقت نفسه برزت نظريات مخيفة ومدمِّرة وممارسات أخذت بها عامة الشعوب بمثل ما أخذت بها السلطات الدينية والسياسية. ففي القرن الخامس عشر اجتاحت أوروبا موجة من الشعوذة وتسببت في موت الأبرياء الذين تجاوز عددهم المائتي ألف من النساء والأطفال (وبعض الرجال) في ألمانيا وفرنسا، بالإضافة إلى قتل عدد أقل من ضحايا تلك الموجة الهوجاء في إنكلترا وإسبانيا وأقطار أخرى في أوروبا.(2)

كان الشغل الشاغل للسلطات الدينية في التعامل مع ظاهرة الشعوذة هو الاعتقاد بوجود علاقة جنسية بين المرأة والشيطان. ففي عام 1484 م أصدر البابا إنوسنت الثامن

(Innocent VIII) فتوى تبيح تعذيب من يُتّهَم بالشعوذة دون أي تردد. وفي أواخر القرن الخامس عشر صدر كتاب مشؤوم بعنوان " مطرقة الساحر " زاخر بالتفاصيل الجنسية والتُّرّهات الدينية عن الأمراض العقلية والدعوة إلى الخوف من المرأة والحض على كراهيتها.

وفي النصف الأول من القرن السادس عشر برز عدد من الشخصيات المرموقة وأخذوا في دحض مزاعم المروِّجين لموضوع السحر والشعوذة وتصدّوا للدفاع عن حقوق النساء. من بينهم جوان لويس فيف (Juan Luis Vives) – 1492 – 1540 م – الذي كتب رسالة بحثية في تثقيف النساء عام 1524. لقد تميّز فيف بلقب " أبو السيكولوجية المحضة "(3) ، كما دافع عن حقوق النساء أيضاً كورنيليوس أغريبا (Cornelius Agrippa)- 1486 – 1535 م، وكان كتابه بعنوان "النُّبْل والمكانة المرموقة للأنثى" قد حاز على اهتمام بالغ بموضوع الصراع ضد اضطهاد النساء. وشخصية أخرى بارزة نسجت على هذا المنوال تدعى جوهان ويَر (Johann Weyer) – 1515 – 1588. كان هذا طبيباً ذا بصيرة خارقة في طب الأمراض العقلية والنفسية، فأثبت من خلال عمله الطبي بطلان عقيدة السحر والشعوذة وبيّن لأول مرة بعض أساسيات العلاقة بين المريض والطبيب في العلاج النفسي. وبذلك اعتبره البعض أول طبيب في تخصص الأمراض العقلية والنفسية.(4)

Pages