You are here

قراءة كتاب سيكولوجية الروحانية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سيكولوجية الروحانية

سيكولوجية الروحانية

كتاب " سيكولوجية الروحانية " ، تأليف د. حسين ب دانش ، ترجمة د.

تقييمك:
3
Average: 3 (1 vote)
المؤلف:
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 8

وهكذا تقدَّمْنا نحو حالة كارول عبر هذه الخطوط وبدأنا ننظر في جميع جوانبها معاً. اتضح لنا في الجلسات اللاحقة أنها نشأت في أسرة محافظة ومن طبقة متوسطة. والدها لديه تحفُّظاته في الحياة ووالدتها شديدة الحرص على حماية أسرتها وكثيرة الانتقاد، وبالرغم من هذه البيئة العاطفية عاشت كارول أولى سنوات عمرها حياة عادية بلا أحداث تُذكر. كانت مفعمة بالصحة والجاذبية واجتماعية محبوبة تتمتع بذكاء فائق وإنسانة ناجحة، وكل ما قامت به أحسنت صنعه. اعتادت أن تذهب إلى الكنيسة ولكنها لم تكتسب من الدين إلا قليلاً، ولم يستطع منطق تفكيرها أن يتفق وتحليلات التعاليم الدينية ولذلك فقدت بالتدريج اهتمامها بالأفكار الدينية، ولكنها حافظت على عشقها واهتمامها بالموسيقى الدينية وفن المعمار الديني والمناسك الدينية. لم تكن سنوات مراهقتها مضطربة، وكان أمامها أثناء تلك السنوات أن تختار بالتدريج توجّهها الخاص وأن تستقلّ عن والديها خاصة في أسلوب حياتها. نما في شخصيتها ضمير حي نحو هموم المجتمع، فأبدت اهتماماً بالغاً بأشكال الظلم التي تصيب الفرد والمجتمع، وشغلت وظائف عدة في ميدان الخدمات الاجتماعية في المستشفيات والدوائر الحكومية.

في حياتها الزوجية استطاعت كارول مع زوجها أن ينجحا في مواجهة تحديات الحياة إلى أن داهمها تشخيص السرطان الذي حطّم حياتها خاصة عندما بدأ يتفشى بعد سنتين. فنظرتهما لنفسيهما وللعالم لم تعد قادرة أن تفسّر لهما مأساتهما ولا كيفية التعامل معها.

كانت المأساة بالنسبة لكارول نفسها أكثر إيلاماً وتدميراً. أدركت فجأة أن الأمر لا يقتصر على الخطر الذي يهدّد حياتها فحسب، بل وفي فقدان كل واحد؛ زوجها وابنها ووالديها وأقربائها وأصدقائها. وما أفزعها أن تجد نفسها عاجزة عن إيجاد تفسير منطقي لكل هذه الأحداث. ففي مواجهتها الموتَ وجدت أن كل ما تعلمته وخَبِرتْه عن تحديات الحياة وتهديداتها وأساليب التغلب عليها أضحى بلا جدوى. اتجهت إلى قراءة المزيد من الكتب عن السرطان وعلاجه وما يتحدث من هذه الكتب عن الموت وعن حالة الوفاة وألم الفقدان. كان يدور في ذهنها الكثير من الأسئلة، وحاولت جهدها أن تضع مفهوماً لإطار جديد لحياتها ومرضها وحتى لوفاتها يعطي لكل ذلك معنى يمكن استيعابه، فاصطدمت محاولاتها بعوائق جمة إذ بكل بساطة لم تجد الإجابات عن تساؤلاتها تلك، وما وجدتْه منها غير وافٍ. لقد تفهّمت تماماً جوانب مرضها الجسماني ومعالجته الطبية، وبدأت في البحث عن أطباء يمكن أن يصِفوا لها علاجاً تشعر أنه أكثر نجاعة لحالتها. لم تتردد في اللجوء إلى استشارة أطبائها وطلب الشرح والتوضيح ووصف أي علاج جديد.

إلى جانب هذا كله كانت أفضل صنعاً في مجال العاطفة، إذ استطاعت أن تتفهّم مشاعر الغضب والخوف والحزن وتتعامل معها، وأدركت تماماً تلك الدوافع النفسية للإنفعالات العاطفية التي ترافقها، واستطاعت أن تحدد العوامل المؤثرة في حالتها. ولكن، برغم هذه الرؤى ظلّت غير راضية، ذلك لأن التفاسير الطبية والنفسية - مهما كانت مفصّلة ومعقّدة الجوانب وبدت ذات مصداقية - فإنها عجزت عن تفسير سرّ الحياة والموت تفسيراً مُرْضياً لديها، ولم تقدّم لها إجابات عن تساؤلاتها حول الهدف من الحياة، مغزى المعاناة البشرية ومعناها، وحكمة الموت المبكر وغيرها من هذا القبيل.

كانت بالطبع أسئلة ذات صبغة روحانية، وكان عليها أن تجيب عنها بنفسها، ومهمة كهذه تعتبر غاية في الصعوبة لأن الفرد الذي يعاني من أزمة مماثلة يحتاج إلى المساعدة والتشجيع لمواجهتها والتعامل معها، ويمكن إعطاء ذلك في إطار المقابلات العلاجية المتكررة المنتظمة في ظل رغبة الطبيب المعالج في مناقشة هذه المسائل والإقرار بصحتها وإدراك أهميتها للمريض وأن يشاركه معلومات وخبرات توضح له هذه الأمور.

انخرطت كارول بجوارحها بكل حماس في هذه المسيرة. فبدأت تُحرّر نفسها من التوتر العصبي وشرعت في المهمة الهامة في مواجهة الأسوأ - موتها. فاستطاعت بالتدريج أن تتفهم أحاسيسها عن موتها والتعبير عنها. لم تتوانَ عن التأمل في حقيقة ذاتها وحالة تلك الحقيقة بعد الموت.

من الطبيعي أنها كانت تأمل في حياة أطول، فبدأت مساومتها من أجل مزيد من السنوات ثم الأشهر ورضيت بالأسابيع في آخر الأمر. حدث تغيير مفاجئ. بدأت تتحدث عن موتها كحدث غير مفزع، وانتقلت إلى حالة من الشعور بأن لحياتها هدفاً ويجب أن تضعه نصب أعينها طالما بقيت حية. أصبحت أكثر ارتياحاً بوضعها العام ما عدا إصرارها على معرفة المزيد وخاصة حالة الإنسان وحقيقته بعد الموت، مما دفعها إلى مواجهة هذه الحالة بالطريقة المعهودة نفسها - الالتجاء للكتب، فطالعت العديد منها عن هذا الموضوع. وذات يوم، عندما شعرت بإرهاق وضيق في التنفس، ذكرت بأنها أحست حينها بأن جسدها أصبح ذا عبء ثقيل عليها وبدا لها أن كيانها الحقيقي أصبح متحرراً من هذا الجسد المنهك المضطرب الذي ينهشه المرض. انتابتها الدهشة لتلك المشاعر لأنها لم يخطر ببالها يوماً أنها ستؤْمن أن للحياة بُعداً روحانياً كما لبُعدها الجسماني.

وكلما انتشر السرطان في جسمها وساءت حالتها كلما ازدادت عمقاً في فهمها لحياتها. وذات يوم أخبرتني أنها أصبحت على يقين بأن لها روحاً مختلفة ومنفصلة عن جسدها تماماً، ولكنها كانت تخشى أن تذكر ذلك لأي شخص لأن مصدر تخوّفها الأكبر كان من أقاربها وأصدقائها المقرّبين من أن يقللوا من أهمية إدراكها وفهمها لحقيقتها الروحانية، فخشيت أن يحللوا كل شئ من منظور السيكولوجيات ويتجاهلوا رؤاها الثاقبة معتبرين إياها فكراً واهماً غير واقعي وأنه نتيجة مرضها وشعورها بقرب وفاتها. ورغم هذا الاحتمال الكبير قررت إشراك أقربائها وأصدقائها بأفكارها وآرائها لدرجة جعلتها جزءاً من خطتها لمراسيم دفنها. وكم كان ارتياحها كبيراً عندما لاقت ردود فعل إيجابية للغاية غمرتها بتأكيدات مشجعة.

إن حالة كارول تضع كثيراً من التحديات أمام مفهومنا العام للطبيعة البشرية ومواقفنا من الهدف من الحياة، فتثير أسئلة حول حب الذات، والعلاقات الشخصية بين الأفراد، والمشاعر الإنسانية المتعلقة بالخوف والغضب إلى أن تنتهي إلى مشاعرنا نحو الحياة والموت. فهي تتحدى مفاهيمنا عن القلق والاكتئاب ولا تسمح لنا بالوقوف على جانب حياتنا الغني بتفاسير بيولوجية وسيكولوجية فقط، بل تدعو إلى البحث عن إجابات لأسئلة حول المعرفة والمحبة والحرية والعدالة والسعادة والوجود والعدم أيضاً.

إنها أمور كلها تخص ميدان الروحانيات وهذا ما سنعرض إليه في الجزء التالي.

Pages