في رواية "سيرة ظل" للروائية العراقية نضال القاضي، تبث الكاتبة السطوع في الظل أكثر من الأصل، تسيطر على أدواتها وفق مفهوم "الادارة الهندسية" من دون ان تفرط بالخيال، التاريخ في هذه الرواية التي تتبع سيرة أسرة عراقية باسلاميتها ويهوديتها ومسيحيتها وعربيتها وكرد
أنت هنا
قراءة كتاب سيرة ظل
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 3
دعسوقة تتسلق السلّم تنقبض وتنبسط لتدفع من مؤخرتها كيس بيوض بثناياه المرصوصة المحززة، رحت أتأمّلهُ وهو يتدحرج إلى الوراء آخذا ًمعه حقبة كاملة على درجات ذلك السلّم / قرن تلك الثنايا المرصوصة المحززة تنبعث منه في غارة ٍأصواتٌ اختلطت ببعضها وجعلت تخفت مبتعدة ثمّ انقطعت حين غرس بوّابته مثل فكّ عظيم في الرمل وغرق· تذكّرت الصينيّين ودأبهم على تسمية أعوامهم بأسماء الحيوانات فثمة عام النمر، عام التنين، عام الثور عام الدعسوقة مثلا! والحقبة تلك غرفة في التسعينيّات، في ركن منها انطرحتْ سيّدة مسنة على فراش تقرنصت حافاتهُ وقد مُدّ على الأرض، في إحدى المرّات تركت تلاّ من الأوراق يتهاوى متناثرا كي ألحق بها وأحملها حملا إلى الحمّام، آخر مرّة أعدتها فيها إلى فراشها وغطيتها بشرشف أزرق باهت واراها التراب إلى الأبد· ثم انتقلت إلى غرفة أخرى يسمّونها بيت الزوجية لم تكن أوسع من(ميّة) بيت كما غنّت فيروز، خرجت منها بطفلين جميلين، إلى ثالثة نمتْ وترعرعتْ فيها نباتات ظلّيّة·
وفي الطريق إلى مقرّ عملي تقابلني كل يوم غرفة من الصفيح كتب صاحبها على جدارها (هنا بيتي) وخط ّ على بابها عبارة (وهذا باب رزقي)، سيقتلعها بعد أعوام صاروخ في حرب أقلّ ما يقال عنها إنها غير متكافئة· هكذا انتشرت غرف فوق وغرف تحت حيث عاش عراقيون أعوامهم وأعوام النمر والثور والتنين والدعسوقة· في أوقات كثيرة لايعنون ما يقولون أو يفعلون، فالقرار السليم في نظرهم هو الوجود بحدّ ذاته، أما بقية الأمور فتترك لتُحلّ على مهل أو لاتُحلّ وعلى مهل أيضا· وتلك في حقيقة الأمر واحدة من ردود أفعال طبيعية بالنسبة لذات تعرّضت إلى السطو تاريخيّا وعلى مرّ العصور· فثمة وفي أزلهم الذي ظهر عند انحناءة ما قد تلامس إلهان، ومن شقّ صغير بينهما خرج الاختلاف يعدو في البريّة· لم تكن التفاحة بذرة الصراع على أرضهم بل الذي ملكها!! تلك الحقيقة بولغ في وصفها وتحليلها، وتلاقفها مفكرون وهراطقة، أنبياء وسحرة، وابتدأت أوّل ما ابتدأت امرأة بين فحلين ضجّا بالرجولة فكانت الحرب بينهما قناعا أوّل· كان لابدّ من أقنعة كي يغتصب المغتصبون ويحارب المحاربون ويتلصّص الحرّاس وقطاع الطرق، فلا يتنافر الوهم مع الفضيلة ولا الحقيقة مع الدنس، الشجاعة مع العزلة والقناعة مع البؤس، إلاّ أنّ ما لا يقبل الخطأ أنّ الإفصاح ما كان ليخصّ الذات تلك لوحدها، ففرضيّة الأقنعة البديلة سارية المفعول كما أنّ المسافة بين الزمن داخل القناع وخارجه ليست بالقصيرة، بل والأدهى من ذلك كلّه كم قناعا تحتاج أن تخلع حتى تتمكن من الوصول إلى نفسها في نهاية الممرّ؟ تبقى المرآة قناعا أخيرا قيد التكوين دائما للذي سيأتي سيعود ربّما ويموت·


