أنت هنا

قراءة كتاب سيرة ظل

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سيرة ظل

سيرة ظل

في رواية "سيرة ظل" للروائية العراقية نضال القاضي، تبث الكاتبة السطوع في الظل أكثر من الأصل، تسيطر على أدواتها وفق مفهوم "الادارة الهندسية" من دون ان تفرط بالخيال، التاريخ في هذه الرواية التي تتبع سيرة أسرة عراقية باسلاميتها ويهوديتها ومسيحيتها وعربيتها وكرد

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 10

لكرامة كلام آخر فما روتهُ عن ذات ظهيرة يعود إلى عام الكبش حين دخل بغداد محمّلا بالطاعون فاتكا بالآلاف من سكانها، ذبحهم كالأكباش بادئا بمحلّة اليهود وشارع النهر آتيا ًعلى موظفي الدولة حتىّ لم يبق منهم من يسجّل للوفيّات· وبحسب رواية المبشر البريطاني (غريفز) كانت مئات الجثث في الشوارع وأكثر المناظر إيلاما هم حملة الأكفان والسقائين، صرر ملابس الموتى عند الأبواب يتعثّر بها المئات من الأطفال وهم يتصارخون في الطرقات بعد أن ماتت أمّهاتهم وقد اختلط صراخهم بزمجرة الكلاب التي انبرتْ تنهش الجثث· ماحدا بالوالي داوود باشا إلى إصدار مرسوم يمنع فيه دفن الجنائز القادمة من الحدود قبل مرور عام على الأقلّ على الوفاة· وفي تلك الظهيرة وقع مهرّب جنازات كان قد قدم مع ابن له من إيران بأيدي رجال الدرك وهو ينازع بين الموت والحياة فقد ظهرت عليه تأثيرات خلطة النورة والزرنيخ التي اعتاد أن يمسح بها الجثث، بعد أن يكون قد قشط اللحم عنها بالحجر والسكين ثمّ ليتركها بعد ذاك مكشوفة للشمس والهواء فترة من الزمن حتىّ تتأكسد تماما فيرشّ عندئذ فوقها حفنة من تراب رطب قليلا، فتبدو وكأنّ دهرا مضى عليها فنال منها البلى ما نال وليسهل عند ذاك استحصال رخصة لدفنها في وادي السلام بجوار الضريح الشريف· ومات مهرّب الجنازات وفرّ الابن، راح يجوب الأماكن وقد نفد ما معه من مال وطعام وأشفقت عليه امرأة من(عفك) وآوتهُ، ضمّتهُ إلى صبيان العشيرة وكان صبيّا آنذاك، يقال إنّهُ كان يختبىء تحت عباءتها حين تمرّ فتدفعهُ بعيدا وهي تضحك، أحيانا كان يُمضي وقتا طويلا مختبئا ً تحت العباءة فيما هي تتلوّى متأوّهة هذا ما وشوشت به غريمتها آذان حشد من النسوة اندفعن في إحدى المرّات إلى حوش دارها أملا في ضبطهما، لكنهنّ وجدنه منكبّا يحضّر وصفة فرُحْنَ يتحلّقن من حوله، فيما هو يمرّ بظاهر كفّه خلسة على حلمة إحداهن متصنّعا البله َ وحسن النيّة، متتبّعا بنظره مواضع الإثارة في جسد أخرى وهو يناولها وصفة مجّانا، وقد فعل مثل ذلك مع أخريات مغدقا عليهنّ بوصفاته فطرن من الفرح ونسين ما جئن من أجله، بل صرْنَ يقصدنه ويجزلن له العطاء كلما حاصر الخراب أرواحهن فلا مناصّ عندئذ من مقايضته بالوهم مقابل ليرات ذهبية أو مداعبات بريئة!! ولا أشقّ على النفس من مواجهتها ولا أيسر من الوهم إلاّ اقتناؤه وقد علمت صاحبة الدار بأمر الصبيّ الذي كبر ونبتت لحيتهُ وصار درويشا تعارف الناس على تسميته بالأخرس، تتدلّى من عنقه قلائد الخرز وكيس القماش الأسمر، حيث حفظ أثرهُ وأثر أبيه الذي ظلّ الاستفهام محيطا به· فطلبت سيّدتهُ منه أن يصنع لها وصفة تقرّب زوجها منها وتبعد غريمتها بل تخفيها عن أنظاره، وهنا هل كان فعله فعل السحر حقّا أم إنّ الصدف شاءت أن يلبّي الزوج دعوة آل المنتفك له فيذهب إلى الناصرية فيستقرّ هناك، فيتزوّج من حضريّة ولتبقى المرأة وغريمتها واحدتهما قبالة الأخرى· فجنّ جنونها وطردتهُ شرّ طردة· يقال إنّها ركلته في صدره وهي تدفع به دفعا إلى الباب، فمدّ يديه متعلّقا بساقها فيما انزلقت كفّاهُ لتمسك بمداسها وليظلّ حتىّ أواخر أيامه محتفظا به، وقد أصبحت تلك المرأة بعيدة جدّا قبل أكثرمن مائة وصفة كان قد ابتكرها وأتقن صنعها· 

الصفحات