كتاب "الثورة المجهضة - دراسات في إشكاليات التجربة الوطنية الفلسطينية" صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2013، بيروت، للكاتب الفلسطيني ماجد كيالي ويتألف من أربعة فصول، وخاتمة. الأول: صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين.
أنت هنا
قراءة كتاب الثورة المجهضة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 1
تقديم:
استطاعت حركة التحرر الفلسطينية، منذ قيامها في منتصف الستينيات، استنهاض الفلسطينيين، وصوغ هويتهم كشعب، وبعث كيانيتهم السياسية، في ما شكّل ردا على محاولات التغييب والإلغاء التي تعرض لها هذا الشعب، بعد اقتلاعه من أرضه (1948)، وتمزيق وحدته المجتمعية، بفعل المشروع الصهيوني، ونتيجة الظروف المختلفة التي خضع لها في بلدان اللجوء والشتات·
لكن هذه الحركة، وبحكم تعقّد الظروف الموضوعية والذاتية، لم تستطع تحقيق مهماتها الوطنية (التحررية والبنائية) المنوطة بها، بشكلها ناجز، ما أدى بها إلى العيش في المرحلة الأخيرة على تاريخها ومنجزاتها التي تحققت في العقود الثلاثة الأولى من عمرها (من الستينيات إلى الثمانينيات)·
فقد تضاءلت كثيرا قدرة هذه الحركة على العمل في مجال الصراع ضد إسرائيل، ومقاومة سياساتها العنصرية والعدوانية والاحتلالية، لاسيما مع ارتهانها لعملية تسوية، المذلة والمجحفة والناقصة، فلم يعد ثمة مقاومة لا بالوسائل العسكرية ولا بالوسائل الشعبية، لا من الخارج ولا من الداخل، لا في الضفة ولا في غزة·
أما الكيانات السياسية الجامعة للشعب الفلسطيني، أي منظمة التحرير والسلطة والفصائل، فباتت في حالة تراجع، بسبب فقدان فاعليتها، وضعف إمكاناتها، وتخلف إدارتها وتضاؤل التفاف الناس حولها·
وفي الواقع فإن التجربة الوطنية الفلسطينية هذه، بما لها وما عليها، لم تحظ بمراجعة نقدية استراتيجية، على الرغم من خطورتها وتعقّد قضاياها وتنوّع أشكالها، ومداخلاتها الدولية والإقليمية، وعلى الرغم من امتدادها على مدار ما يقارب قرناً من الزمن· فإذا استثنينا الجهود الفردية لبعض الكتّاب أو الباحثين، وجهود بعض المؤسّسات المتخصصّة، فإن الهيئات الرسمية والفصائلية لم تشرع، في أية مرحلة من المراحل، في دراسة التجربة الفلسطينية، وتقييم مساراتها وخطاباتها وبناها وأشكال عملها، لاستنباط العبر المناسبة منها· وبشكل عام فإن هذه الساحة ما زالت تفتقر لأي دراسة تتناول تجربتها السياسية أو العسكرية أو التفاوضية أو التنظيمية، أو تجربتها في المقاومة أو في التسوية، وكذا تجربتها في الأردن أو لبنان أو في الأراضي المحتلة بعد إقامة السلطة (1993)·
هكذا، بات ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها على الفلسطينيين وعلى كياناتهم السياسية، ومثلا: هل ما زالت القوى السائدة قادرة على حمل المشروع الوطني؟ وهل المعطيات التي تأسّست عليها تلك القوى، بشعاراتها وبناها وأشكال عملها، مازالت صالحة، في ضوء النتائج، والتغيرات والتحولات العربية والدولية والفلسطينية والإسرائيلية؟ وهل الخيارات السياسية والكفاحية ما زالت صالحة، أم ينبغي البحث عن خيارات أخرى بديلة أو موازية؟
في هذا الكتاب ثمة محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات من خلال الدراسات المتضمنة فيه، علما ان هذه المحاولة لا تدعي امتلاك الحقيقة، بقدر ما تتوخّى حث التفكير السياسي النقدي، ولا تحاول تقديم الإجابات الجاهزة بقدر ما تحاول توليد الأسئلة، والبدائل، التي تتولد عن الطبيعة المعقدة لقضية الفلسطينيين في صراعهم الطويل والمديد مع المشروع الصهيوني، ووليدته إسرائيل·
وينبغي الإشارة هنا إلى أن الدراسات والمواد المنشورة، كان تم نشرها، في غضون الأعوام القليلة الماضية، في مجلات مثل: الدراسات الفلسطينية (بيروت) وشؤون عربية (القاهرة) وشؤون فلسطينية (رام الله) وصحيفة الحياة اللندنية، وفقط أجريت عليها بعض التعديلات التي تتعلق بالصياغات، لا بالمضامين، لزوم إصدارها في كتاب·
وقد خصصت الفصل الأول للحديث عن سياق تبلور الهوية الوطنية الفلسطينية، والعوامل التي تحكمت بصوغها، والتحديات التي باتت تواجهها، في حين خصصت الفصل الثاني لعرض إشكاليات المقاومة الفلسطينية المسلحة، بجميع تجلياتها وأشكالها، وبالتداعيات التي نشأت عنها، في صعودها وأفولها· في حين خصصت الفصل الثالث للحديث عن إشكاليات التسوية والمفاوضة، وانعكاساتها على وجود الفلسطينيين وكياناتهم السياسية وهويتهم وكفاحهم من اجل حقوقهم· في حين تم تخصيص الفصل الرابع والأخير للحديث عن أزمة الكيانات السياسية، في بنيتها وخياراتها السياسية، وقد تضمن ذلك طرح تصورات جديدة لخيارات سياسية بديلة· وقد توخيت في تناول كل تلك المواضيع التعامل معها وفق عقلية نقدية، تأخذ في اعتبارها مصلحة الشعب الفلسطيني، بعيدا عن الاعتبارات الإيدلوجية أو الفصائلية، محاولا مقاربة الآني بالمستقبلي، والممكن بالمتوخّى؛ آملاً أن أكون وفقت في ذلك·
بقي القول ان هذا الكتاب يأتي في ظرف صعب يمر به شعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية، فثمة انتهاء مرحلة، ببناها وخياراتها وأشكال عملها، وليس ثمة يقين من بدايات مرحلة جديدة· أيضا، ثمة واقع من ثورة فلسطينية مجهضة، في حين ثمة ثورات شعبية وليدة مازالت تتفاعل في أكثر من بلد في هذا العالم العربي، وهو تفاعل لا بد سيؤثر على مستقبل شعب فلسطين وشكل تعبيره عن ذاته في المستقبل·


