أنت هنا

قراءة كتاب الثورة المجهضة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الثورة المجهضة

الثورة المجهضة

كتاب "الثورة المجهضة - دراسات في إشكاليات التجربة الوطنية الفلسطينية" صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2013، بيروت، للكاتب الفلسطيني ماجد كيالي ويتألف من أربعة فصول، وخاتمة. الأول: صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 2
صعود وأفول الهوية الوطنية
 
والكيانية السياسية للفلسطينيين
 
ظلّ الفلسطينيون حتى الثلث الأول من القرن العشرين يعتبرون أنفسهم جزءاً من النسيج المجتمعي والسياسي لإقليم بلاد الشام، بحكم الثقافة والتاريخ والروابط المجتمعية/الأسرية، والمصالح وعلاقات الجوار· أما على الصعيد العام فكانوا يعتبرون أنفسهم جزءا من رابطة إسلامية أوسع، ومع صعود النوازع القومية، باتوا يعتبرون أنفسهم جزءا من الأمة العربية· وفي كل الحالات لم تكن الهوية أو الكيانية الفلسطينية تشغل بال معظم الفلسطينيين، ونخبهم السياسية والثقافية؛ على الأقل في حقبة ما قبل الانتداب البريطاني·
 
مع ذلك فإن الوطنية الفلسطينية، بمعناها الرمزي/ الهوياتي، أو بمعناها السياسي/ الكياني، لم تكن على تلك الدرجة المناسبة من النضج، في تلك المرحلة التاريخية الصعبة، التي تجعلها قادرة على الصمود، بالشكل المناسب، في مواجهتها لتجليات المشروع الاستيطاني الصهيوني (قبل العام 1948)، أو التي تجعلها قادرة على فرض ذاتها في المعادلات السياسية العربية، وقتها، بدليل  اختفاء حكومة عموم فلسطين، بعد أشهر قليلة من الإعلان عنها، وبدليل عدم تمكّن الفلسطينيين من إدارة الأراضي التي لم تغتصبها إسرائيل، إذ تمّ ضمّ الضفّة الغربية إلى الكيان الأردني، في حين أخضع قطاع غزة للإدارة المصرية·
 
وفي كل الأحوال فقد شكّلت النكبة (1948) والتداعيات الناجمة عنها انكسارا في محاولات الفلسطينيين تأسيس هوية وطنية وكيانية سياسية لهم، إذ إنها أدّت إلى تمزيق مجتمعهم، واغتصاب معظم أرضهم، وانهيار مؤسّساتهم السياسية الجمعية·
 
بعد ذلك، أي بعد النكبة، لم يعد للهوية ولا للكيانية أي تعبيرات في الحياة الاجتماعية والسياسية للفلسطينيين (باستثناء الحياة الثقافية)، إذ تعرّض فلسطينيو 48، مثلا، لمحاولات الأسرلة، ما اضطرّهم للتحايل على الواقع الناشئ، وعلى الانهيار المفاجئ في عالمهم، بحمل الهوية الإسرائيلية، للبقاء في أرضهم؛ مع ما يتطلبه ذلك من كبت نوازع الهوية الفلسطينية الناشئة، مع إبراز تمسكهم بالهوية العربية· أما فلسطينيو الضفة الغربية والأردن (وهم الأغلبية) فباتوا مواطنين ضمن المملكة الأردنية، مع كل ما في ذلك من تبعات واستحقاقات·
 
وقد نتج عن كل ذلك اختزال الفلسطينيين في اللاجئين الذين باتوا يقطنون في بلدان اللجوء والشتات، تماما كما اختصرت قضية فلسطين في قضية اللاجئين· والمشكلة أن هؤلاء الّلاجئين لم يتح لهم التعبير عن هويتهم، بشكل قانوني وحقوقي، ولا بشكل تمثيلي /مؤسساتي، في تلك البلدان، كما لم يتح لهم التعبير عن قضيتهم بشكل سياسي، وهو ما تم التعويض عنه بانخراط هؤلاء في إطار الحركات السياسية فوق الوطنية، أي القومية والإسلامية والشيوعية·
 
ويستنتج من كل ذلك أن الهوية الوطنية والكيانية السياسية عند الفلسطينيين برزت وتبلورت في ظروف جدّ صعبة، وقسرية، ومعقدة، وفي إطار من القيودات والتشوّهات، في أواسط الستينيات· وهذا يعني أنها، أيضا، لم تنشأ بشكل طبيعي، ولم تولد بنتيجة تطوّر اجتماعي وسياسي وثقافي في المجتمعات الفلسطينية المتشظّية، والتي تخضع لمحددات وقيودات ووصايات متباينة، وبالتالي فهي لم تنضج، وسط ظروف ذاتية سليمة، وإنما ولدت بفعل عوامل خارجية، كما قدمنا، ونضجت بفعل ولادة الحركات الوطنية السياسية، ولاسيما منها حركة فتح، التي يمكن اعتبارها حاملة لواء الوطنية والكيانية الفلسطينية·

الصفحات