كتاب "الثورة المجهضة - دراسات في إشكاليات التجربة الوطنية الفلسطينية" صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2013، بيروت، للكاتب الفلسطيني ماجد كيالي ويتألف من أربعة فصول، وخاتمة. الأول: صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين.
أنت هنا
قراءة كتاب الثورة المجهضة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 4
التازّم الهوياتي والكياني
المعضلة هي في أن المشروع الوطني، كما حاولته فتح، نشأ مأزوماً، من الناحيتين الموضوعية والذاتية، ليس فقط بسبب تأخّره (بمسافة ثلاثة عقود) عن مشاريع الوطنيات العربية، المتمثل في الدولة العربية بشكلها الراهن، وليس بحكم عدم التكافؤ في صراع موازين القوى، بينه وبين المشروع الصهيوني، فحسب، وإنما، بسبب افتقاد هذا المشروع إقليمه (الجغرافي) الخاص، وحيّزه الاجتماعي المتعيّن، أيضاً؛ وهما ليسا تفصيلين زائدين وإنما عمودين أساسيين في إنتاج أية وطنية، ولا سيما إذا تعلّق الأمر بترسيخها واستمرارها وتطوّرها·
ويتبع ما تقدم ذكره أن الهوية، وكذلك الكيانية، الفلسطينية المعاصرة، تأسّست وتبلورت، أصلاً، على جمهور اللاجئين في المخيمات، بدفع من مسارين اثنين: أولهما، التركّز حول حدث النكبة المتمثّل بإقامة إسرائيل، التي تأسّست باعتبارها دولة يهودية على أكثر من ثلثي أرض فلسطين، وتشريد حوالي مليون من الفلسطينيين من أرضهم وممتلكاتهم، الذين باتوا بدون هوية وطنية، وبدون وحدة مجتمعيّة· وثانيهما، وقد تركّز حول تعريفهم كآخر، أو كلاجئين، في بلدان اللجوء (العربية)، مع ما تضمن ذلك من انتقاص في حقوقهم، وفي المعاملات التمييزية إزاءهم؛ والمتمثلة بطمس وجودهم وتهميشهم سياسيا واجتماعيا، وعدم تمكينهم من إقامة كيان لهم في باقي أراضيهم (الضفة والقطاع)، وإحلالهم في مكانة المقيم المؤقت، فلا هم في مكانة مواطن، ولا هم في مكانة مقيم ذي تابعية معينة· وبديهي، فإن أية وطنية، أو هوية، تفتقر إلى مجالها الاجتماعي والجغرافي، وتخضع لسيادات مختلفة، لا بد من أن تكون معرضة لاهتزازات وتفكّكات، لا سيما إذا ضعف، أو ارتهن، حاملها السياسي·
فوق ذلك يمكن أيضا ملاحظة أن الهوية والكيانية عند الفلسطينيين لم تكونا متلازمتين، أو متطابقتين، بل إن الافتراق بينهما هو الثابت الذي يشكّل احد أهم عوامل الأزمة الهوياتية والكيانية المقيمة عندهم· فالفلسطينيون في 48 حرموا من شمولهم في إطار الهوية والكيانية الفلسطينية التي تمثّلت بمنظمة التحرير، لأسباب مختلفة، وبعد إقامة السلطة في الضفة والقطاع، بدا وكأن هذه الكيانية لا تشمل الفلسطينيين اللاجئين خارج الأراضي المحتلة، أما مكانة الفلسطينيين في الأردن فباتت مقيَّدة بمكانتهم كمواطنين·
وإضافة إلى ما تقدم، يمكن القول بأن أزمة الهوية والكيانية عند الفلسطينيين لم تنشأ بمعزل عن التأزّم الهوياتي والكياني الذي تكابد منه مجتمعات ودول المنطقة، أيضا، رغم حصول هذه على استقلالها، على خلاف الفلسطينيين الذين حرموا من ذلك·
وفي الواقع فإن الاستقلال في دولة، في إقليم متعيّن، في بلدان المنطقة، لم يحل دون التنازع بين الهويات أو العصبيات الأولية (المذهبية والطائفية والاثنية والعشائرية)، ولا بين تلك وبين مسارات تشكّل الهويات الوطنية الجامعة، لسبب واضح وهو أن الكيانات السياسية في هذه البلدان لم تتشكّل، أو لم تنضج، على شكل دولة، بمعنى الكلمة، أي دولة مؤسسات وقانون ومواطنين·
وقد شهدنا أن هذه الكيانات السياسية لم تشتغل بالشكل المناسب من أجل تحقيق الاندماجات الوطنية، ومن أجل خلق المجال الوطني العام، كما لم ترسّخ ذاتها باعتبارها كياناً سياسياً جامعاً لمواطنيها، بقدر ما اشتغلت على ترسيخ وضعها باعتبارها سلطة أكثر، ودولة أقل، مقابل الرعيّة
وإذا كان الحال هو على هذا النحو بالنسبة لمواطني هذه الدول، فالأحرى أنه سيكون أكثر تمييزا إزاء الفلسطينيين، الذين وللمفارقة كان يجري التمييز ضدهم بدعوى الحفاظ على قضيتهم، كأن الحفاظ على هذه القضية يتطلب تأبيد معاناة الفلسطينيين، وعزلهم، بدل التخفيف من ذلك! والمعنى من ذلك أن حال الفلسطينيين، الذين تفرّق شملهم وحرموا من كيان خاص بهم، ليس أكثر بؤسا، بكثير، من حال أشقائهم من المواطنين في البلدان العربية الأخرى، في مجالي الهوية والكيانية·


