كتاب "الثورة المجهضة - دراسات في إشكاليات التجربة الوطنية الفلسطينية" صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2013، بيروت، للكاتب الفلسطيني ماجد كيالي ويتألف من أربعة فصول، وخاتمة. الأول: صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين.
أنت هنا
قراءة كتاب الثورة المجهضة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 3
المساهمة الفتحاوية
بالمحصّلة فقد انتظر الفلسطينيون ما يقارب عقدين من الزمن، بعد النكبة، كي يلتقطوا أنفاسهم، ويخرجوا من هول المفاجأة، بشأن ما أحاق بهم، ومن حال المعاناة والضياع والتشظّي، التي ألمّت بهم، وكي يبحثوا في خضم التقلّبات والاختلالات والتباينات السياسية العربية عن طريقهم الخاص والمستقل·
وهذا يفيد بأن الوطنية الفلسطينية، بمعناها الهويّاتي والسياسي والكياني، إنما تدين أساساً (بين عوامل أخرى) ببروزها وتبلورها إلى حركة فتح، التي أطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، فهي صعدت أساسا مع صعود هذه الحركة، التي صاغت وكرّست الأفكار والرموز التأسيسيّة لهذه الوطنية·
وفي الواقع فإن تلك الحركة وبسبب من نمط تفكيرها الشعبوي ومبادرتها لإطلاق الكفاح المسلح، استطاعت أن تضطلع بدور رئيس بشأن بلورة الهوية الوطنية للفلسطينيين، بمعناها الهوياتي والمؤسساتي، وهي التي ناضلت من اجل مشروع الوطنية الفلسطينية· ومثلا، فهي التي صكّت مقولات من نوع التحرير طريق الوحدة، ولا وصاية ولا تبعية ولا احتواء، مطالبة باستعادة زمام القضية من الأنظمة العربية، وباستقلالية القرار الفلسطيني· وهي، أيضا، التي نافحت من أجل أولوية البعد الوطني (في الصراع ضد إسرائيل) على البعد القومي، كردّ على محاولات إسرائيل تغييب الفلسطينيين وإزاحتهم من المكان والزمان، أو من الجغرافيا والديمغرافيا والتاريخ· وفي سبيل كل ذلك فقد انخرطت هذه الحركة (ومعها الجبهتان الشعبية والديمقراطية) باحتكاكات كلّّفتها كثيراً في الإطار العربي، ما نتج عنه اعتبار منظمة التحرير (التي باتت تقودها فتح) ممثلاً شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني (1974)، وبعدها أدى إلى فك الأردن لارتباطه مع الضفة الغربية (1988)؛ من دون أن نغفل مسؤولية هذه الحركة (أي فتح)، بطريقة عملها، وسياساتها، عن التداعيات السلبية التي نجمت عن كل ذلك·
ولعل فتح كانت تتوخّى من طرحها لمشروع الكيانية السياسية ـ المعنوية، التعويض عن غياب الإقليم ـ الأرض لترميم التشظّي الحاصل في واقع المجتمع الفلسطيني، تمهيدا ربما لفرض وجوده على الخريطة السياسية ولاحقاً الخريطة الجغرافية·
وفي كل ذلك فقد بدت فتح، منذ انطلاقها (1965)، باعتبارها أكثر حركة تشبه شعبها، بين الحركات القومية واليسارية والإسلامية، الناشطة آنذاك، ما جعلها بمثابة نقطة استقطاب وإجماع بين الفلسطينيين، في كل أماكن وجودهم· وقد أسهم في ذلك أن هذه الحركة لم تطرح نفسها حزباً، ولا ممثلاً لطبقة مجتمعية بعينها، وأنها لم تدّع تبنيها لأية ادعاءات إيدلوجية بعينها، معتبرة نفسها حركة وطنية للشعب بكل طبقاته وفئاته وتوجهاته السياسية وتياراته العقائدية·
وليس من قبيل الصدف أن هذه الحركة ضمّت الفئات الأكثر فقراً وكدحاً في المجتمعات الفلسطينية (من اللاجئين والمعدمين ومن العمال والفلاحين والحرفيين) أكثر بكثير من أي تنظيم يساري، وأنها في الوقت نفسه ضمت، أيضا، شرائح واسعة من الطبقة الوسطى، فضلاً عن أن البورجوازية الفلسطينية (والعائلات التقليدية) محضت هذه الحركة دعمها، أكثر من أية حركة سياسية أخرى· كذلك فقد كانت هذه الحركة ضمت في صفوفها نشطاء سابقين في الأحزاب القومية والإسلامية، ومثقفين يساريين (ولا نبالغ إذا قلنا إن حجم اليسار في فتحكان في بعض الأوقات أكبر من بعض التنظيمات اليسارية)، وكلهم توحّدوا على مشروع فتح، أي على مشروع الوطنية الفلسطينية·


