كتاب "الثورة المجهضة - دراسات في إشكاليات التجربة الوطنية الفلسطينية" صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2013، بيروت، للكاتب الفلسطيني ماجد كيالي ويتألف من أربعة فصول، وخاتمة. الأول: صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين.
أنت هنا
قراءة كتاب الثورة المجهضة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
وحتى بالنسبة لإسرائيل، التي باتت تتكشّف عن كونها دولة شرق أوسطية قديمة، فثمة منازعات فيها بين الهويتين الشرقية والغربية، وبين المتدينين والعلمانيين، وبين كونها دولة يهودية (لكل اليهود) أو كونها دولة إسرائيلية (لليهود فيها)، وبين حدودها في 48 أو في 67، وكذلك بين كونها دولة يهودية أو كونها دولة لمواطنيها وضمنهم العرب·
وتأسيساً على هذا النشوء الملتبس، أو المعقّد، فقد ظهر عاملان آخران لعبا دوراً مقرراً في هذا الاهتزاز أو التأزّم الهوياتي والمؤسساتي· فالوطنية الفلسطينية لم تتعمّد في مسار الصراع مع إسرائيل، فحسب، وإنما، أيضاً، في مسار الاحتكاك السلبي (الحامي وأحياناً الدامي)، مع بعض الوطنيات، أو السلطات العربية؛ لأسباب متفاوتة· ومن جهة أخرى، فإن الوطنية الفلسطينية وجدت نفسها في تنازع مع البعد العربي، من الناحية السياسية (الوظيفية)، وليس الهوياتية؛ إذ لا خلاف في هذا الشأن على عروبة شعب فلسطين، بقدر ما ليس ثمة تعارض بين الهويتين الوطنية والعربية· وعليه، فإن هذين العاملين السلبيين، الاحتكاك والتنازع، أسهما، أيضاً، في تعثّر الوطنية الفلسطينية، وتشوّهها، لا سيما في زمن التوظيفات والانحيازات السياسية والسلطوية المتضاربة·
ويلفت الانتباه هنا أن وجهات النظر القومية، التي تدّعي عدم مشروعية الوطنية الفلسطينية، والتي تخطّئ، أو تناوئ، استقلالية القرار الفلسطيني، غالبا ما تغفل خصوصيات الوضع الفلسطيني، عن قصد أو من دونه، وضمن ذلك أن الواقع العربي، على صعيدي الحكومات والمجتمعات، لايعيش في الزمن القومي (أو القوم ـ الأمة)، ولا يتجه نحوه، وإنما في زمن الوطنيات، وحتى ما قبل الوطنيات· فالمجتمعات لم تصل بعد إلى مرحلة الاندماج الوطني، بدليل حال الانشطار والتشظّي الظاهرة، والكامنة، فيها، على صعيد البلد الواحد، أما الحكومات فكل يغنّي على ليلاه أو سلطته·
على ذلك فإن القول بتبلور وطنية فلسطينية، كالوطنيات المصرية والسورية والعراقية والجزائرية·· الخ، لا يعني فصل الشعب الفلسطيني عن انتمائه العربي، والحديث عن هوية فلسطينية لا يتناقض مع الهوية العربية، ولا يحلّ محلّها، بل يدخل في عوامل تكوّنها وتميّزها وتبلورها؛ في نقيض للنظرة القومية الجامدة والشمولية والمطلقة للهويات، ولتشكّل الأمم· هكذا فثمة هويات كبرى وصغرى، وأساسية وفرعية؛ ويمكن للمرء أن يكون فلسطينيا وعربيا، كما يمكن أن يكون بدويا ومسلما أو مسيحيا وفلسطينيا وعربيا في آن·
عدا ذلك فإن الوطنية الفلسطينية، لا تعني إبعاد الأمة، بمجتمعاتها ودولها، عن مواجهة تحدي إسرائيل في هذه المنطقة، فالفلسطينيون أضعف من أن يقوموا بذلك حتى لو أرادوا· أما التذرّع باعتبار قضية فلسطين بمثابة القضية المركزية للأمة العربية فقد ظلّ، على الأغلب، مجرد كلام دعائي ونظري، بدون تمثّلات واقعية مستديمة·
في هذا الإطار ربما ثمة أهمية للتمييز بين مسألة استقلالية القرار الفلسطيني، وهي شأن يتعلق بإدارة الوضع الداخلي، وتقرير التوجهات السياسية، وبين كيفية إدارة القيادة لهذه المسألة، وهي إدارة تستحق النقد، كغيرها من المسائل· وكما هو معروف فإن هذه الاستقلالية لم تمسّ السياسات العربية المتعلقة بالصراع والتسوية مع إسرائيل· إضافة إلى أن التجربة بيّنت بأن القرار الفلسطيني حافظ على استقلالية محدودة، بحكم تماثله في المحصلة مع السياسات التي انتهجها النظام العربي·
من ناحية أخرى فلعل ما يلفت الانتباه، أن دعاة القومية العربية يعتبرون قضية فلسطين قومية، وأن القرار الفلسطيني يجب أن يكون قوميا، في حين لا يتم التعامل مع الشعب على هذا الأساس، مع ابتداع هوية لاجئ (كيف يكون الإنسان لاجئا في وطنه العربي!؟)، بدعوى رفض التوطين، وهي هوية بين بين، لا عربية ولا فلسطينية؛ هذا إذا تجاوزنا السؤال عمن يمتلك مشروعية حصر التحدّث باسم القومية
ويستنتج من كل ما تقدم عرضه أن الزمن لم يعمل تماماً لمصلحة الوطنية الفلسطينية، التي نشأت في ظروف غير متكافئة في معمعان الصراع ضد المشروع الصهيوني الاستيطاني والعنصري، وفي زمن صعود الدولة الأمنية، بخاصةٍ وأن هذه الوطنية نشأت، أيضا، خارج حيّزها الجغرافي والاجتماعي الخاص، والتي تأسّست على الاعتماد على الموارد الخارجية، أكثر من اعتمادها على موارد شعبها، في ظروف اختلال موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية لمصلحة عدوّها·
أفول الوطنية والكيانية
بعد زمن، وإزاء هذا الواقع الصعب والمعقّد في مسار التجربة، وجدت القيادة الفلسطينية (وهي هنا قيادة المنظمة وفتح معاً) نفسها مضطرّة إلى طيّ شعاراتها الخاصّة وطموحاتها الوطنية لمصلحة التماثل السياسي مع النظام الرسمي العربي، ومع مقررات الشرعية الدولية بشأن قضية فلسطين·
وبديهي، فإن هذا التماثل تطلّب من هذه القيادة إجراء مراجعة للأفكار المؤسّسة للوطنية الفلسطينية، لا سيما ما يتعلق منها بوحدة الأرض والشعب، الأمر الذي تم عبر إقرار البرنامج المرحلي (1974) القاضي بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع (مع حلّ قضية اللاجئين وفق منظور القرار 194)؛ وهي المسارات التي أفضت، في ما بعد، إلى عملية التسوية في مؤتمر مدريد (1991)، وبعده اتفاق أوسلو (1993)·
على رغم ذلك، فإن القيادة السائدة استطاعت تغطية هذا التحوّل (التماثل والمراجعة)، بحكم مكانتها النضالية الرمزية، وادّعائها بمواصلة المشروع الوطني، والمقاومة، وبحكم السياسات الإسرائيلية المعادية على طول الخط للحقوق الفلسطينية حتى لو تمثلت بمستويات الحد الأدنى، بدليل عدم التزامها باتفاق أوسلو (1993)؛ على رغم أنه اتفاق مهين ومجحف وناقص بالنسبة لحقوق الشعب الفلسطيني·


