تدور رواية "صخب ونساء وكاتب مغمور" للروائي علي بدر حول عالم صاخب من النساء والفنانين والشعراء المزيفين الذين يتجمعون في استوديو صغير في بغداد، حيث تدور أحداث حياة الكاتب المغمور الذي يحلم بكتابة رواية يحصل من خلالها على المال والجوائز والنساء، ونتعرف من خلا
أنت هنا
قراءة كتاب صخب ونساء وكاتب مغمور
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
الخرائط ·· كم هي مهمة للسياسيين·· فهم يرون أنفسهم ومدى سلطاتهم من خلال الخريطة، ويحجزوننا داخل هذه الخرائط، ومن يتجاوزها يقتل بطبيعة الأمر··· ولكن ما أهميتها لي؟
لقد أعادتني هذه الأفكار إلى التفكير بنفسي بوصفي كاتباً مغموراً، فالصخب والنساء نسبة لكاتب مغمور هما الهجرة بالتأكيد، وقد أدركت هذا الأمر بعمق حين تعرفت على عباس وتمارى ووليد في الربيع الذي قضيته في الأستوديو الصغير الواقع في شارع مستشفى الراهبات في الكرادة الشرقية في بغداد، والذي تركه لي جدي قبل خمس سنوات من وفاته·
لقد أدركت في تلك اللحظة جازماً، بأن هذا الكلام هو من النوع الذي يجعلك تتذكر، أن تتذكر يعني أن تلم وبطريقة واحدة كل حطب حياتك، فربما لا أنا ولا وليد ولا عباس ولا تمارى ولا عايدة ولا أي شخص آخر ينفلت تلك اللحظة من هذه الجملة، أو أن يقول بطريقة جدية وواثقة: إيه صحيح·· بس مو آني··
إن عودتي إلى هذا الأستوديو وإن كانت خياراً، فإنه خيار صعب، لأن علي وللمرة الأولى أن أكسب عيشي بنفسي، وهذا ما لم يعرفه أحد من قبل، في الحرب كان كل شيء ميسراً حتى الموت· فأنت لا تختار مطلقاً، تحت النظم الشمولية وفي أعوام الحرب، حتى آمالك وأحلامك فإنها أشياء مضحى بها ببساطة- ولكن أن تقف وحدك كي تعيش وتكسب، هذا ما لم يفكر به أحد، لا أنا ولا أصدقائي الجنود آنذاك، فقد كان مثل هذا الكلام يجعلنا نقهقه، نقهقه كي لا نصرخ ولا نسخر من شيء لا يحبه الناس ولا يطيقونه، وكنت أسايرهم فيما يقولونه لأني كنت أدرك لو تكلمت خلاف هذا سأبدو شخصاً مثيرا للسخرية، وبعد تسرحي من الجيش مباشرة أدركت بأن حياتي بدت في الأخير وكأنها شيء يمكنني أن أبحث عنه وبانفعال لا يكبح في أشياء غير متوافرة أخرى، مثل: الطعام، الملابس، الكتب، أدوات الحلاقة، الأحذية، الأوراق، الأقلام وأشياء أخرى، ربما لم نكن نفكر بها قبل الحصار، وأنا أركز على كلمة أشياء لا من دواعي الخروج السخيف على المألوف أو من الضعف وأعني بها: راحتي، منامي، طعامي حتى لو كان من البيض المسلوق والخبز -وحتى هذا على بساطته قد أصبح في أعوام الحصار شيئاً متعذراً- شايي، سجائري، إنما كي أبين كيف يمكن أن تنجو بجوعك دون أن تؤذي الآخرين، ومنذ ذلك الوقت لا يمكن أن أحذف من ذاكرتي الجص المتساقط، ولا نفايات أعشاش الطيور، ولا علب الكونسروة الفارغة، ولا قشور البيض وفتات الخبز، وغسل الصحون وغسل الملابس والفرش،