أنت هنا

قراءة كتاب مديح الهرب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مديح الهرب

مديح الهرب

في روايته السابعة "مديح الهرب"، يعود الكاتب السوري خليل النعيمي ليمنح من المادة الخام الاثيرة لديه: سيرته الذاتية التي طالعتنا مراحل منها في "الشيء" و"الخلعاء" و"تفريغ الكائن" و"القطيعة".

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 5
في الجبهة لا تشكل النميمة مصدراً للقلق، وإنما للاستمتاع· وكنا نمارسها بمتعة لا تقدر· لكن الوشاية كانت بالنسبة لنا نوعاً من الوسخ الذي نحذر التلوّث به· وبعض العناصر، ومنهم سائقي الذكي حسن، يمارسونها بسهولة ويسر(وأكاد أقول عمداً) وكأنهم مرصودون لمثل تلك المهمة·
 
في عينيه اللمّاعتين أرى بريق الحكايات وهي تتزاحم للخروج· صرت أفهم مدى أهمية ذلك بالنسبة إليه، وإليهم، وإن كنتُ أُدفنُ كل ما أسمع في التراب· ومع الوقت، وبتأثير التراكم المخيف لما سمعت، صرت أرحب صدراً، وأكاد أقول لا مبالياً، وإنْ ظللتُ استمع إليه باهتمام· يعرفون ذلك، ولم أكن أعرف· وتلك كانت هفوتي الأولى!
 
دخل حسن متحمساً، ودون أن يحييني (كما تقتضي الأعراف العسكرية) قال بصوت عال:
 
- الجيب جاهز سيدي·
 
قال ذلك واستدار ماشياً دون أن ينتظر رد فعلي· كدتُ أُناديه وألغي كل شيء، إلا أن زكي دخل في اللحظة نفسها وابتسم لي ابتسامة نصف مكسورة· ابتسم بشكل عفوي خالص، ولكن بتواطيء· وهو ما جعلني ابتعد من كل تفكير مغامر في تلك اللحظات·
 
لزكي، بشكله اليتيم، وهندامه الذي يشبه بهلواناً غير مدرَّب، أثر مهدِّيء في نفسي· وتلك مزية أساسية في العلاقة التي نشأت بيننا، برغم الرتبة العسكرية! كان يوحي لمن يراه بضعف آسر· ضعف المغلوب على أمره· إلا أنه، في الحقيقة، كائن قادر على ضبط هواجسه· لا، لم يكن كذلك، فحسب، بل أميناً في علاقته، وصادقاً في عواطفه· وهو ما يتناقض تناقضاً صادماً مع صفات العقيد!
 
عندما خرجت من الخيمة المدفونة في التراب، كان حسن جالساً وراء الِمقود، ومحرك الجيب قد بدأ الدوران· وهو يتأمل الفضاء بصمت مغرض· وأثار ذلك الاستغراق الُمفاجيء دهشتي: أيكون له يد في استدعاء العقيد العاجل لي؟ لكن البَشاشة الطبيعية لديه (برغم كل ما أنفر منه) والتي استقبلني بها، جعلتني أنسى الامر فوراً، وأُهيّء نفسي لمفاجأة قد لا تكون سارة أبداً· مَنْ يدري كيف تدور الأمور مع العقيد؟
 
في الطريق إليه قطعنا الخلاء الصامت ببطء· أحجار السهول البركانية تتراكم أكواماً على جوانب الطرق الترابية التي شُقَّتْ على عجل· كانت المنطقة مهملة بشدة قبل الهزيمة التاريخية ومنذ أن وجدت القوات المسلحة مراكز لها في حوران بدأ العمل في تهيئة الدروب والاشتقاقات· وصار عَجاج الآليات اليومي منظراً مألوفاً·
 
الناس يمشون بالقرب منا، دون أن يهتم بنا أحد منهم! لكأننا كائنات من كوكب آخر، أو هذا، على الأقل، ما كان يبدو عليهم وعلينا· سأعرف فيما بعد أن كل المظاهر خدّاعة، وأن الكائنات، وبخاصة تلك التي بلا أفق، كَالأنعام: حدودها في الحياة هي حدود أجسادها وما تقتضيه! كدت أضحك من نفسي في خضمّ طيران الجيب العسكري على تراب حورانالناعم : وَمَنْ كان غير ذلك فليتكلَّم! صرتُ أُردد في صمتي، حتى لا يسمعني حسن، الذي سمعني، ولا بد!
 
كان الطريق مستقيماً· ولم يكن حسن بحاجة حتى إلى الإمساك بالمقود· لكن الأحجار النابعة من قلب الأرض هي التي تجعل القيادة صعبة، أحيانا، وتوجب الحذر· في ذلك الصبح الصيفي الجميل، وجدتني استمتع بالرحلة التي لم أكن على بيّنة من أسبابها· كانت الشمس قليلة الوجد، وبعض رطوبة الليلة الفائتة لا زالت تهيمن على الفضاء، ملطفة نهار إنْخِلْ الذي سيكون جحيماً بعد قليل·
 
كانت دمشق تفتل في رأسي مع العَجاج المتطاير حولي! وفي شارع النصر منها، تمشي هاجِرْ بهدوء ساحبة جسدها البَضّ المليء بالريش· وصلنا إليها منذ ساعات· فطريق الجزيرة طويل· كنا جياعاً، ومهملين· وأبي يردد في رأسي: مَنْ طَلَب العلا سهر الليالي! وكان ذلك يَملؤني بفيض من الإرادة والتصميم· كنت أريد ألّا أعيد سيرة حياته· أن أخرج من المهد الذي وُضِع فيه· ولم يكن ذلك يحتاج إلى تبرير: كان كل شيء مرئياً· وكل مرئي غير مفهوم بالضرورة· لكن هذا ما سأدركه بعد ذلك بزمن طويل·
 
أريد أن أغيّر مسار حياتي، ولم أكن قد بدأتها، بعد· ذلك المفهوم المفجع، مفهوم ضرورة التغيير بأي ثمن، هو الذي قادني(مِنْ صحراء الجزيرة) إلى كلية الطب· وهو الذي سيقودني من كلية الطب إلى خِيَم الجيش المرابط على الحدود، حيث سأقع في براثن العقيد الملتهب من الغباء!
 
الشَعْر! الشَعْر! يردد الرجل الذي خرج من مَدْكَنه راكضاً خلفنا! وهاجِرْ تمشي بقوة وشعرها الأسود الغزير يترجرج في فضاء الشام التي تراها لأول مرة·
 
كان الجوع والعجب يتضافران لإعطائها نوعاً من الإحساس بامتلاء غريب· لم نكن نعرف أين سنذهب· ولم نكن نريد أن نعود· كانت أختي قد رافقتني لكي أتمكن من متابعة دراستي في الكلية· هي لا تقرأ، إلا أنها لم تكن تشعر بحاجة إلى قراءة وهمية وهي تتابع قراءتها الحقيقية للعالم· وكان ذلك يَملؤها حُبوراً·
 
وفجأة، صرخَتْ ملتاعة، وهي تردد في همس: شوف الرووس معلقة! قالت ذلك وَاحتمتْ بي وكأني جبل سأحمي عيونها من الرؤوس الاصطناعية ومن عمائم الشَعْر المزيف المنسدل عليها بلا أناقة· في تلك اللحظة العاصفة، سيبرز الرجل، من جديد، مُتلَمِّظاً، فاحصاً شَعْر هاجِرْ بعينين ناريتين، قائلاً بتواطؤ:
 
- أريد شعرها، وسأدفع الثمن الذي تطلبه·

الصفحات