في روايته السابعة "مديح الهرب"، يعود الكاتب السوري خليل النعيمي ليمنح من المادة الخام الاثيرة لديه: سيرته الذاتية التي طالعتنا مراحل منها في "الشيء" و"الخلعاء" و"تفريغ الكائن" و"القطيعة".
أنت هنا
قراءة كتاب مديح الهرب
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 10
[4]
بلا لغة ولا نقود بدأتُ رحلتي الأساسية في الحياة·
منذ أن تركتني هاجِرْ وحيداً، أدركت أن الموت لا يخيف· وأن الجوع والإضمحلال اليومي، وحدهما، جديران بالوَبال·
كانت الشام مستتبة، وبطيئة· كنت أعدُّ الأيام التي ستوصلني إلى الرفق· أيام الدراسة المليئة بالآمال· كانت الغَاردينيا عامرة بالبشر والدُخان· وكنت أَتناول من مَجامرها بعض الحرارة والريب· أصدقاء البارات العَتيقة يتجمعون سعداء ومتهيبين· يتضاحكون، ويتماحكون، وأظل ساكتاً وسجيّاً·
كان أنور يخاطبني، من وراء نظارته الَسميكة، متعجباً:
- لماذا لا تحكي أيها الغُراب؟
الحَكي بالنسبة لأنور الطري هو الضحك بمناسبة وبلا مناسبة· يكفي أن يشرب كأساً ليتحول العالم عنده إلى سراب· عندها، يصير يتطلّع إليَّ بِجَفَاء يرعبني· أعرف أن لوجهي أبعادا كثيرة، لكن بُعْد الغُراب هو الذي سيسيطر على نفسي منذ أن سمعت الكلمة تخرج مُفَخَّمة من بين شفاهه البيضاوية، المبللة بالبُصاق· وعَبْر العَكَر الدخاني المنطلق من أنفاسه، ملوّثاً نظارته الَسميكة، لم أكن أَستشف مدى الصدق، أو الرياء·
عندما انتحر الستيوارت الجميل ، مضيّف الخطوط الجوية السورية، بطلقة في رأسه، كدت أبكي عليه رغم معرفتي السطحية به، والتي مصدرها أنور، أصلاً· إلا أن تلك النزعة البكائية عندي تحولتْ إلى نوع من التشتت والضِياع عندما سمعته يردد، بلا مبالاة، وقد كان صديقه الحميم: الغبي! انتحر يوم موعدي معه! هكذا خسرت كروز المَالبورو الذي وعدني به!
من بعد، عرفت أنه كان يَقبُصُ منه زجاجات الشراب الأصفر مثل عين الديك على حد قوله، لقاء مَدائح مجانية وعابرة يكيلها له·وأكثر من مرة، كان يتباهى، يتباهى بذلك الشراب العجيب كلما التقينا، ملوثاً وجهي ببصاقه المتناثر، وهو يؤكد مترنحاً: لم أَتوقف عن الشرب منذ البارحة مساء، يا غُراب!
حدث ذلك، كله، قبل الهزيمة، بقليل· كنا طلبة وَمتحمّسين· بعد ذلك، اختلف الموضوع! صار أنور بائساً وتعيساً· والتحقتُ أنا بالجيش طبيباً· كنت أحسب أني بذلك سأمسح الوجع عن نفسي، والانتكاس من رأسي· كان كل شيء يبدو ممكناً وبسيطاً·
تخرجتُ، حديثاً، من كلية الطب، ولم ينجح أنور، بعد حتى في السنة الأولى من دراسته التي امتدت سنوات· كان سعيداً بذلك، وهو ما يَملؤني عجباً· وفي كل مرة أَلومه فيها على إهماله، يردُّني معنِّفاً، مختطفاً بعض شِعْر طرفة : ألا أي هذا اللائِمي أشرب الّلمى، وأن أغرف اللذات هل أنت مخلدي؟
لكن ذلك لم يكن مقنعاً، وهو العليم به· وعندما رأيته بعد أشهر من افتراقنا التَراجيدي الذي تلى الهزيمة، كان متهدلاً، يمشي بتثاقل وبطء، وكأنه خارج من قبر·
من قبل، كان يخطف الأرض خطفاً، متجهاً إلى مسقط رأسه كما يسمّي غرفة النوم، أو إلى محطّ المؤخرة كما يسمّي المقهى·
الغَاردينيا هي المحط الأفضل عنده، حيث تنتظره فيه، دائماً، بعض الجميلات الباحثات عن الشهرة والنوم، كما يزعم· لكن ذلك الادعاء الَمشروخ لم يكن إلا ليزيدنا فرحاً واحتفاء به· فما جدوى أن يتقشّف الكائن في جوّ مشحون بالخيبة والغباء؟
عندما سألته عن سر تثاقله المريب، شرح لي نظريته الجديدة قائلاً: قررت ألا أَضاجع امرأة، إلاٌ·· وسكتَ· سكت وهو يَتعذب لأنه حكى لي، ربما، ما كان يجب السكوت عنه· لم ينظر إلى عيني كما من قبل، حينما كان يغرقني بتَلمّظاته الجنسية (حتى الوهمية منها)·
ولما رَآني أَنتظر بقية النظرية، بكل إنصاتي، أضاف بنوع من التوتر والغرور: إلا إذا سال منهما السيل عفواً· وأشار إلى خصيتيه، وهو يقول: منذ أشهر، وقد حرمتهما من كل نَيْل، صرت أحس بثقلهما بين رِجْليَّ· لكأنه تضاعف عشرات المرات! وبدأتُ أشعر، أضاف بنوع من التباهي الغريب، بهما يَلْطُمان فخذيّ نتيجة الانتباج الهائل في أَقنيتهما· وقبل أن اقول شيئاً، أكّد بجد: أريد أن أَتحوّل إلى ثور! ثور يغرق العالم عندما يقذف·
في الصَالحية عندما التقينا، من جديد، بعد فراق قصير، كدتُ أخرُّ ساجداً عندما رأيته· ساجداً من العجب والهول! كان يمشي مباعداً ما بين فخذيه· لكأن دَلْواً يتدلّى بينهما· دلْو مَملوء بأَمْخِطة واضطرابات· لكأن ثُقْلاً باهظاً عُلِّق في أسفل حوضه، وبالضبط في إحليله· وبدا لي فمه أعوج وَشاقولياً! وبلا تحية بادرني بازدراء، وكأنه يريد أن يحمي نفسه من نظراتي:
- أنظر! وأشار إليهما من جديد:


