أنت هنا

قراءة كتاب مديح الهرب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مديح الهرب

مديح الهرب

في روايته السابعة "مديح الهرب"، يعود الكاتب السوري خليل النعيمي ليمنح من المادة الخام الاثيرة لديه: سيرته الذاتية التي طالعتنا مراحل منها في "الشيء" و"الخلعاء" و"تفريغ الكائن" و"القطيعة".

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 4
[2]
 
حيّاني زكي مرعوباً:
 
- العقيد ريمون يريدك، سيدي!
 
العقيد ريمون! تساءلت في نفسي دون أن أَفضح منها سرّاً· ومع ذلك تجاهلت الأمر، وكأنه لا يعنيني· في الحقيقة، لم أكن على بيّنة منه· حسبت أن أموراً جديدة تستدعي هذا الطلب العاجل· قلت لزكي سأتصل به حالاً· وشكرته·
 
استدار زكي ماشياً وبه وجل أكيد· لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يطلبني العقيد فيها، ولذا لم أفهم سر ذلك الاضطراب الخفي لديه· زكي يعرف العقيد من لهجته· ومن كيفية الطلب يمكن أن يخطر له الكثير من الأمور· ولأنه لا يتقن العربية، تلتبس عليه، أحياناً، عبارات وَمقاصد· لكن ذلك، كله، لا يفسر مجيئه إلى الخيمة ، من جديد، ذلك الصباح، ليتأكد من مغادرتي لها· كنت لا زلتُ ماسكا ً رأسي، وعيناي مغمضتان·
 
أنا أعرف العقيد ريمون التقيتُ به منذ أول يوم من وصولي إلى الجبهة· رجل وسط· يتكلم دون أن يستمع إلى من يتكلم معه· لا يهمه أن تفهم شيئاً مما يقوله لكَ· المهم هو أن تنفذ الأوامر· والأوامر، كما يقول، لا خلاص منها إلا بالتنفيذ· وللتنفيذ، عنده، قواعد وأصول· وهو كَالحرباء الخبيرة يظل يحوم حولكَ إلى أن يتأكد من أن كل ما أمر به قد تمَّ تنفيذه كما يريد·
 
في أول لقاء لي به استبد بي العجب والإعجاب· رأيته ضابطاً متحمساً، فعّالاً، صريح الكلام، أنيق المظهر· ومن نظافة مكتبه ازددتُ اعجاباً· لكن تلَجْلُج حاجبه الهزيل، ومظاهر الاستياء البادية عليه ملآني أساورَ وأفكاراً·
 
في أول لقاء لنا في مكتبه الحربي تركني جالساً، وخرج· خرج ودخل عشرات المرات، دون أن يقول شيئاً· كنت أَبحث في نفسي عن سبب معقول لحركة عَبثية مثل الدخول والخروج، دون أن أجد الجواب·
 
كانت الجبهة محدودة· ولكل منا مهماته وَنواهيه· وهو يبدو كالطفل الذي كَثُرَت ألعابه، ويريد أن يتخلص من بعضها (حتى ولو بتحطيمها) ولا يريد!
 
استمعتُ إليه صامتاً، مردداً من وقت لآخر: نعم· سيدي العقيد! لم يبدُ عليه الاهتمام بما أقول· حكى لي عن كل شيء· عن الجبهة· عن الخطوط الحمر، والخضر· عن الآليات· عن الُحفَر والرُجوم· عن وجبات الطعام والألبسة· عن بطانيات النوم وعن الأسرة الحديد· عن كل شيء، ماعدا البشر· الجنود بالنسبة إليه، كما سأدرك فيما بعد، من الملحقات! وليس للملحقات عنده مقام·
 
رفع طرف الخيمة بيده الصغيرة، ومن جديد، دخل زكي محيياً باضطراب:
 
-العقيد، سيدي·
 
ألَحّ على كلماته لتحمل إليَّ توتره الكبير، وبعض خوفه· ومن ركودي الآسر رفعتُ إليه رأسي، ونظرتُه بعين ودودة، وإنا أقول بهدوء:
 
- سأذهب في الحال·
 
أردتُ أن أدرك السبب في استدعائه العاجل لي·أن أدركه قبل أن أصل إليه· أعرف أني إن وصلتُ قبل أن أحضّر نفسي فسأقع ضحية ثرثرته التي لا تنتهي· وهو منذ أن يقع مرؤوس بين مِخْلبيه يصبح مستأسداً وعتيّاً! ولكَمْ قرأ على رأسي التعاليم والحكايات· حكايات بطولاته الخفية التي لا تدرك بالعين المجردة! يجب أن تكون أنت هو لتدرك مقدار عظمته! ولأني مشغول بأمور أُخرى لا حل لها، صرت، رأساً، عصيّاً على الفهم والإصغاء· وهو ما حرّضه، وحمّسه أيضاً، ليضطهدني كلما لجأتُ إليه في شأن صغير·
 
إزاء خوف زكي المتزايد، وقلقه غير المعهود، لم أجد مفرا من استدعائه:
 
- يا زكي! قُل لحسن يحضر الجيب·
 
حسن من الساحل السوري· شاب طويل نحيف شيطاني النظرة· ضحكته مليئة بالبراءة وَالهزء· وفي جيوبه يحمل أقفالاً ومفاتيح· لا يكف عن الحركة حتى وهو يسوق الجيب العسكري العَتيق ذا اللون الكَاكي الملوّث بالوحل· إلى جانبه تستقر، دائماً، بندقيته ذات النظافة الفائقة· وهو الذي علمني كيف أمسك بالمِقْوَد على الطرقات الترابية المعزولة· وعندما يراني مسروراً، يصير يردد بفرح:
 
- على حظي، سيدي، لازم تسوق طَيارة!
 
يستقبلني في الصَنَمَيْن عندما أَعود من دمشق· ومنذ أن استقر إلى جانبه يبدأ بسرد ما حدث في غيابي· ومع أني لم أطلب منه ذلك، إلا أني رأيت عدم الإصغاء إليه أكثر خطراً من الإصغاء· ولذا أظل ساكتاً استمع إلى ما يروي، بصَبْر·
 
أحس بمتعته وهو يروي بشغف ما سمع وما رأى، وحتى ما لم يسمع، ولم يَرَ! العالم، وأكاد أقول الحياة، يتلَخّصان عنده بالوشاية! وعندما أزعجني الأمر(وقد أزعجني منذ أول مرة) حاولت التخلص منه، بنقله إلى سرية أخرى عبثاً· لقد كان مكتوباً عليَّ كما عرفتُ، فيما بعد·

الصفحات