في روايته السابعة "مديح الهرب"، يعود الكاتب السوري خليل النعيمي ليمنح من المادة الخام الاثيرة لديه: سيرته الذاتية التي طالعتنا مراحل منها في "الشيء" و"الخلعاء" و"تفريغ الكائن" و"القطيعة".
أنت هنا
قراءة كتاب مديح الهرب
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 7
[3]
الآن أَتذوَّق حلاوة تلك المرارة!
كانت الدنيا مساء عندما عدت من مشيتي اليومية في الحقول الخضر المحيطة بإنخل أمشي لأتفكَّر في مصائر الكائنات، ومنها مصيري · أحسني كالطير الذي وقع في مصيدة كائن غبيّ لا يعرف قَدْره، وما عليه إلا أن يخلص نفسه من الأسر!
كانت المقولة التاريخية الشهيرة: أحسنت الدخول فاحسن الخروج تأسر لُبّي· أريد أن أملك شأن نفسي بأي ثمن! والآخرون يحسبوني حراً بامتياز· كنت أدرك أني لم أكن حراً في أمر· وَمَنْ يجرؤ على ادعاء امتلاك حُريتة الشخصية في بلد لم يُهيّء الحرية لكل رعاياه، ولم يتخلص من تواطؤه مع التاريخ!
ذلك المساء، أيضاً، استقبلني زكي مبتسماً بخبث:
- المريض وصلَتْ، سيدي!
صرتُ أعرف من حركات فكيه، أهمية الناس الذين يتوافدون على العيادة البرية عيادتي التي جهزها بكل ما يمكن أن يُستعمَل في ذلك البر المنلقح تحت هَضائب الجولان غرفة معزولة وَضَع فيها قَادوس ماء للشرب، ومجموعة من التَنكات التي صفَّها وغطَّاها، وسرير من الحديد القاسي حطّ فوقه بطانية صفراء عَتيقة ووسادة من قش· وفَصَلَ موقع الفحص عن موقع الانتظار بخائط (بالخاء) من قماش أبيض شفاف· وظلت النوافذ مفتوحة للريح· ليس للعيادة باب، ولذا كان مُضطراً للنوم فيها ليلاً (وهو ما سيخلّصه من النوم القاسي في مَهجع الجنود)·
من أول يوم صارت العيادة مكاناً للتوادد والإلتقاء· وصرت أقضي أوقات طويلة فيها: أَقرأ، وأكتب، وأتأمل، وأتجمّل·
صارت لي فيها ملامح وذكريات· آهات ودموع· ملامس وحُساسات· حتى أني بدأت أنوي الإقامة فيها· وهو ما أخافني: أن أحس بالأمان في مكان ما (حتى ولو كان لي) هو أن أَتخلّى نهائياً عن مشروع حياتي الأساسي الذي من أجله كنت مستعداً لفعل كل شيء! العيادة، إذن، قد تكون إبادة! أُردد في كل مرة أدخلها·
في فضائها، كنت أَبتئس قصداً، كما سأدرك فيما بعد، لئلا آلفها· ولكن، مَنْ هي هذه المرأة التي ملأت فم زكي بالإبتسام؟
وقفَتْ، عندما دخلتُ:
- مساء الخير!
قالت بصوت خافت لا يكاد يُسمَع· تتكلم همساً وعيونها تنظر الأرض· سحنتها صفراء مُسمَرّة· على جَدائلها أَغبرة وآلام· ثوبها زَاهٍ، مفصل من قصب وقش· في صدرها آهات تَتفلَّت للإنطلاق· حذاؤها من جلد وخيوط· وكعوبها مطلية بالقير· بلمحة رأيت قلبها الخافق· ومن سٌهومها قَرأتُ أسرار نواياها·
- تفضلي!
قلتُ بأدب وحنان· كنت بحاجة إلى كائن يفوقني ضعفاً لأطمئن· وكنت مستعداً للتوهّم والإختلاق· لكأن الحياة لا تستقيم بلا أضغاث أحلام نُنَمّيها منذ نعومة أَضلافنا!
- لا! مستعجلة، والله·
قالَتْ بخفر ونعومة، وكأنها تقول: خُذني على الفور، خُذني!
تريثتُ قبل أن أَرفع عيني إلى ذقنها النازل· قبل أن أُلاقي وجهها بأنفي· قبل أن أُحيطها بمرفقيّ المتهيّئين لحَضْنها! بدأت أحس حرارة التوهّج، والإستعار، ولم يكن المساء مهيئاً للرُؤيا· كيف أَتخلص من أَظافر نفسي؟ كيف أسند المرأة التي ستقع ، للتَوّ، على الأرض! ماذا أفعل غير أن أُنادي بأعلى صوتي، في ذلك المساء المُرَقَّع بالأفانين:
- زكي! زكي!
وكأنه جنّيُّ ألف ليلة وليلة، وقف زكي بين يدي في الحال· كان خَاتلاً، ولا بد، في أقرب نقطة مني! وإلا كيف تراه سمع صوت ارتطام الجسد قبل أن يميل على الأرض؟
- الَمَرَةْ يموت، سيدي! يردد مضطرباً ورَجوفا!ً


