"السلالم الرملية" رواية للشاعر والروائي سليم بركات، صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2007؛ قسمها بركات الى عشرين فصلاً، عشرة منها معنونة بالعربية والعشرة الأخرى معنونة بالأجنبية، وكانه في مسعاه هذا يريد أن يزيد من الطلسمة والإلغاز، وإرباك القارئ
أنت هنا
قراءة كتاب السلالم الرملية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 3
خَلاَ النَّفق، من جديد· عادت الحمامةُ الساخرةُ إلى تجوالها على الرصيف· لم تنقر فُتاتاً هنا أو هناك· استعرضتِ الرسومَ الجداريةَ، بدورها، مستغرقةً في عبثِ بقاءِ ذلك الجَمْعِ ثابتاً في قيود الخطوط واللون· طارتْ، بغتةً، صوب فضاء الرسوم فصدمتِ الجدارَ· هوتْ أسفلَ الخندق، على سكة عبور القطار دائخةً· نفضت عن ريشها رذاذَ الصدمة، ثم حلَّقت إلى جهة الأدراج الآلية· ارتفعت خُطىً خولة لشخص واحد، قادم بلا اتفاق مع المواعيد المضبوطة للأقدار على الجداول المُلْصَقة ـ بيقين الحساب وحراسته ـ على لوحاتٍ عيونٍ ترى بها الطُّرُقُ عِلَلَ وجودها المروَّض: شاب بدينٌ، أسمر البشرة، وضع حقيبتَه الرثة، المفتوحة الفارغة، على رصيف النفق· علَّق آلة أكورديون إلى كتفيه· مَطَّها فانفرج القماشُ طيَّاتٍ على طيَّاتٍ· تنشَّقتِ الآلةُ الهواءَ المخلَّل ملْءَ رئتيها، ثم أطلقتْه زفيراً مرسوماً، بعناية النَّغم، على رمل الصوت· اجتمعتْ حقائقُ الصوت المهذَّبةُ ذرَّاتٍ لِصق أخرى حيناً، وذرَّاتٍ تناءت عن بعضٍ حيناً· خُفِقَ الرملُ· تَذرْذرَ وتطايرَ· تماوجَ· رَكَدَ· تضرَّعت آلةُ الأكورديون إلى الهواء أن يعيرها أرقامه السبعة عشر، أو نصفها· تقدم آبيريم من العازف: ماتاريخ هذا النفق؟ ساءله·
لجم العازفُ آلتَه· أخرسَها: ماذا قلتَ؟
ماتاريخ هذا النفق؟· كرر آبيريم سؤاله بلسانٍ مُحْتدمٍ قليلاً·
تأمَّله العازفُ برهةً· أجهدَ خيالَه في استقراء المعنى الحامض· نزع الأكورديون عن كتفيه· قيَّدها، ثم وضعها في الحقيبة· أغلق الحقيبةَ· حملها وغادر النفق·
قادمون جددٌ انحدروا على الأدراج الآلية، من جهتيِّ النفق، يتشمَّمون ثمرةَ المواعيد الناضجة، كالمندرين، على شجرة الحساب· اكتأب آبيريم وهو يصغي إلى الثرثرات في الإعلانِ الضوئي عن القطار القادم· تكلم بلا اكتراث لِمَنْ جاوروه منتظرين في سكونٍ: هناك مَنْ يبحث عني· هناك مَنْ سيخبرني شيئاً عن النبيِّ الجديد، القادم إلى عشاء أبي يالُوْه.


