أنت هنا

قراءة كتاب الأختام والسديم

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الأختام والسديم

الأختام والسديم

في هذه الرواية، يسترجع سليم بركات بعض ذكريات الأرض الأولى بأحداثها الطريفة وأجوائها الأليفة والقاسية، ويعيد تأليفها عبر كيمياء مخيلته السحرية، فإذا هي رواية الغربة والإقامة ، رواية الماضي والحاضر، رواية الأسى والرجاء.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 6
مرهَ الجمْع من حديقة الدار المسقوفة بقبة واسعة الأرجاء، عالية علىنسق المساجد في أرضروم، جُعلت لها كوىً بزجاج أزرق وأصفر، تُرى على حوافها أعشاش سنونو ــ ذلك الطير الذي تٍبْقَى له منافذ إلى الفسطاط الحجريِّ المُغْلق، كي تتكرَّم بعلوم نسله المزقزقِ حيواتُ السّكينة الكبرى· طيرٌ فكرةٌ· طواد في بياض· حجابٌ سوادٌ من الظاهر وبياضٌ من الباطن· مثلث صغير بُنيٌّ في الرقبة، أسفل المنقار، هو أثرٍ نبات الحنَّاء تعرَّف الرعاةُ به إلى كشفٍ من الخضاب، مذ رأوا الطائرَ يمسح برقبته على الغصون، فزَّينوا أوداجَ الخراف، وإلْياتها، ثم اتخذت النساءُ بعصارة ذلك النَّبْت، ونقيع اليابس من ورقه، حُجُباً من رسوم الغيب على أيديهن، وأقدامهن، وحلمات أثدائهن، وفوق العانات الحليقة، لتبقى حقيقةُ الجسد مستيقظة في كمالها الساحر، ألقاً بعد ألقٍ، كخلود الرَّجفة في العناق المُسْتَنْزِف ماءَ الذَّكر بشفرة الأنثى· طيرٌ فكرةٌ· يرقد بصدره على حواف المياه حين يشرب، ملتقطاً صورة ذاته الشفيفة رشفة رشفةً كي تتوزَّع في جوارحه بنداء الكثافة· هو يلد صورتَهُ وتلده صورتُهُ· ذرقُهُ يُصفَّي في الخلِّ الأبيض فتؤخَذُ غثاثتهُ الطافية على السطح فيكون لها مقامُ حبرٍ فضيٍّ· ربما الأمر؛ بحسب توصيف النظر إلى نشأة الأَحْمَاض، أن السنونو شَرّهٌ في التقاط يرقات الحلزون من مراقد الماء وحوافِ البرَك، فإذا انحلَّت أصدافُ اليرقات إلى عصارة في المعدة خرج السلحُ من المضي صمغاً أذبقاً، أو شاكلَ الزئبقَ بلا سُمِّيَّةٍ· وقد اتقنت الفتيات الأربع، الموكلات بمخاطبة الحصى في حديقة زانا خاتون ــ امرأةِ أردهان الأولى، نقيبة نسائه الأُخريات الثماني ــ استطلاعَ مساقط الذرق في عبور السنونو فوق الفُسقيات الستِّ إلى الأعشاش الخشنية، فيأخذن الحصى الملطَّخ إلى قوارير الخلِّ، ثم يُرجعْنَه إلى مواضعه: كل حصاة عروة في القميص الأرضيِّ الممتد الحواشي في القناء الشاسع تحت القبة الشاسعة· حصىً حملته بغال مُوْشْ، ذات الجباه الضيقة، من كهوف الصحراء الباردة شمال تبريز، رلى ميدو· الينابيع، التي تعبت من فكِّ لغز الظاهر، عادت غائرةً في اتجاه الباطن المُداهنِ ــ خزانةِ أرقام السِّحر الرثة ومتاعه المهترئ، تاركةً خلفها، في عمامة الزمن ما بعد القلق المصغي إلى الماهيات المحيِّرة، سائكها الكّرَيَّةَ، بألوان الأعين الضفادع الزرقاء العلجومية، والسمندر الطويل الذَّنب، ذي السموم التي تفجِّر أقواس قزح في ممرات الخيال المنحدر إلى الموت، إذا سُقيَ به المغلوبون والمخدوعون· حصىً هو لعبة الجماد في إنقلاب اللدائن على ننفسها، وانتقال المعادن الناطقة من برزخ الفلز المعتزل إلى الإجتماع المؤنس، في صورة الكتلة الملتحمة بانجذاب الذرَّات بعضها إلى كمائن بعضٍ· رخويات الهيئة الهيولى، والخلايا الآحيَّة في فتنة وجودها البسيط، تتصلَّبَ، بانسلاخها من دِيْنِ الماهية المُطْمئنَّة إلى ديْنِ الماهية المجرِّبة بلا احتراز، فتغدو حالاً من بشرى الحجر بميلاد السكون العاقل· لا خصائص أنقى من خصائص العَدَم المُسْتَحْدَث في كينونة الحصاة؛ لا جمال أكثر ثرثرةً من الذي لحص حديقة رانا خاتون، تحت أظلاف غزلانها التسعة، التي استعرضت ــ في هدوءٍ مفصَّل على مقاس النوافير التي تقرأ للفسقيات ضياءَ القبة العُلْوية ــ عبورَ الرجال المرسومَ على لوح الجَبْر· خُصِيَ غزالٌ فمات لوعةً على ذكورته المهتوكة· بقي شقة تحت غمامة قلب رنا· وصلت يدا الطاهي فرهاد إلى الغزال في حمَّ خياله المُنَقّب عن سطر اللّه الناقص في مصير أردهان: منيُّهُ لا يُنْجب· لا خيالَ لمنيِّهِ كي يستحدث، بآلة الصور في ظلام خصيتيه، مشكلاً زلالاً يَثْبتُ على لوح الأرحام· عنده تسع نساء، اختارهنَّ بجلود عليها نقشُ الولاية الأزلية للملائكة المسرعة بالصلصال المشوي إلى غمامة الصفات، حيث اتخذ اسمُ آدم من حروفها الشفيفة ثورياتِ القلق· الذَّرورُ الدقيق، الذي تناثر من الصلصلا، دحرجَهُ النفخُ الإلهيُّ إلى الظلِّ الأول ــ ظلُّ الأحنحة المرفرفة في الغيهب، هناك، تحت لسان اللامنطوق الذي سيغدو تأويلاً مؤرِّقاً في بزوغ حواء من عضلة المكيدة عَصَباً من لونٍ· شروقٌ مُعْشٍ تخلَّل عظام الذَّكر بأمشاطه ـ أمشاط التبرُّج فتباعدت ضلعاً ضلعاً لتخرج صورةُ المصكوك الثاني تأكيد الصورة المصكوك الأول مختوماً بختم اللحم الحيِّ· تقلَّبت الأنثى الوليدةُ على الظل فعلق بجلدها ذَرُرورُ الصلصلا، ذلك التدوين الأول للنقش الذي سيُسمَّى نَمَشاً· وقد امتحن أردهان بَرَكة النقش الموصوف بجلال الحقيقة، فاختار نساءَه ببشراتِ يترقرق تحتها مسيلُ الحليب أو ينبسط الشفقُ أحمرَ برتقالياً، بيضاواتٍ حُميراواتٍ، على خدودهن وأنوفهن ثرياتُ نمش تُقاسُ ــ خيالاً ــ بالتطابق بين فَلَك الأبراج وفلك النجوم· أما الدروب الخفية بلمجرات النمش، التي تفتح لنفسها في الأثير الدافئ للكثافة مساكبَ من أكتاف النساء حتى تررائبهنَّ، ومن السُّرر حتى قباب الفُروج، فتلك أقاليمُ تستطلعها أنفاسُ أردهان إذ تنتحل علومَ الرعاة، غاديةً رائحةً بالقطعانِ القُقبل في سهول الجسد الريح· لقد وطد الرجل ــ حرَّاثُ النقش ــ للحقيقة خصائصَ البناءكي تلد له ذريَّةً من الرحم الموصوف، باختبار النمش، يقيناً لا ينفذ إليه عبثُ المصادفة، فإذا بالعبث يلتهم أملَ الصور في أن ترتدي أمام مرآة المنيِّ ثوبَ الشكل· امرأة بعد أخرى هيَّج السديمُ العَدَمَ في خصيتيه· فحولتهُ المخضبة بالحناء كراحتي يديه فكَّت رباطَ رئتيه في كل استنزافٍ لقَدَرِ الماءِ فيه، حتى لتكاد نساؤه أن يوقِنَّ أن يدين خفيتين تتفقَّدان في أحشائِهن، من مضائق المهبل إلى المبيْض، علاماتِ المشيئة التي يهتدي بها تدوينُ الصور على لوح الخَلْق، لكنهما لا تعثران إلا على الهباء·

الصفحات