الذي يميز هذه الرواية "المفتون" هو أن حوارها يحتوي مجموعة من اللغات، التي يتقاطع بعضها مع بعضها الآخر، فينفرط الصوت في لغات متعددة تأخذ من الهضاب والأعالي والسهول والسجون والمستشفيات لغاتها الخاصة.
أنت هنا
قراءة كتاب المفتون
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
(2)
في مساء اليوم الثاني، والطبيب يوشك أن يغلق غرفته بانتهاء وقت الدوام اليومي، دخل يوسف اليعقوبي مرتدياً بدلة بيضاء، وربطة عنق حمراء خلابة، وقد تدفقت فيه حيوية السعادة·- معذرة لاقتحامي زمنك الخاص·· إنما عذري هو شعوري بالإمتنان·· حيث يجب أن أقدمه لك بلا توان·· لقد أدركتني أحاسيس الفرح على يديك·· ولا أستطيع أن أعطي تعبيراً خيراً من القول: إنني في خدمتك دوماً··
رغم أن الطبيب مستسلم لإعيائه الدوري الذي ينتابه بعد عدة فحوص للمرضى، إلا أنه ابتهج للإطراء الذي تضمنته كلمات الشكر·
ووافق على أن يشرب معه بضعة أقداح من البيرة· كان محل المشروبات الكحولية يشبه القباء، تسوده عتمة خفيفة تتخللها إنارات متقطعة، باهتة· إلا أن تداخل الأصوات البشرية، ورنين الأقداح، وخشخشات متباينة قد أضفى على الجو نوعاً من فقدان الهدوء لم يستطع الطبيب التجانس معه· ولكنه اختيار يوسف، الذي بدا سريع الانسجام مع النادل، ومع آخرين يجلسون حول طاولة مجاورة·
- هل تحبّ؟
- أنا؟ نعم·· أحبّ زوجتي وأطفالي··
أجاب الطبيب
ضحك يوسف ضحكة خفيفة معقباً:
- وهل حبّ الزوجة يتعدى حب الليلة الأولى؟
- ماذا تعني؟
- أوه·· لا أعني شيئاً·· إني أعتقد أن ما بعد الليلة الأولى لن يكون فيه للحب الزوجي معنىً··
- لا زلت أصغر من أن تقرر مثل ذلك التقدير القاطع··
عاود الابتسام·· واكتفى بما انطوت عليه ابتسامته المتشككة، المتعالية·
- وأنت يا يوسف·· هل تحبّ؟
كان منتظراً ذلك السؤال·· فهو نمط من الشبان يطرح السؤال كيما يتاح له القدر الوافر من الثرثرة المزهوة· لم يجب مباشرة، بل مدّ أصابع يده الطويلة إلى جيب سترته·· وأخرج صورة·· قدمها إلى الطبيب·
- ما رأيك بها؟
- فتاة رائعة··(أجاب الطبيب)
- ألا تشبه ملكة جمال معروفة؟ لا شك أنك ترى فيها أكثر من المشابهة··
- ربما·· لكني لست سريع المبادهة في استحضار المشابهات··
- إنها تشبه ملكة جمال العالم
- أمر جائز·· رغم أني لا أعرف شيئاً عن هذه الملكة··
صمت يوسف لعدة ثوان، ونقر على جبهته بأصبعه، ثم ناثر خصلات من شعر رأسه بانفعال·· ومد يده مجدداً إلى جيبه الداخلي··
- هاك··
- ماذا؟
- رسالة·· واحدة من رسائل عديدة·· تبعث بها إليّ·· اقرأها··