هذا كتاب فريد في بابه، يحتل، أو ينبغي أن يحتل، مكانة متميزة بين الأعمال الأدبية الخليجية والعربية المشابهة· وإذا كنا غير قادرين على تحديد نوع الكتاب وإدراج الكتابة في خانة إبداعية معينة، فلأنه أي الكتاب ينأى بطبيعته عن التصنيف الذي اعتدنا أن نقرأ النصوص وال
أنت هنا
قراءة كتاب مذاق الصبر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 4
غير أن الأمر لا يقف عند هذا الحد· إذا إن العلم والاعتراف بالحدود المفروضة على الذات في حالات من هذا النوع من شأنهما أن يخدشا الحياء·· حياء أولئك الذين يشعرون أن نظرات الكاتب تتغلغل تحت ثيابهم وتتعدى الحدود المطلوبة، وتجردهم من قوى خارقة يتوهمون أنهم يمتلكونها· علماً بأن الرجل لم يفعل شيئاً سوى القول بأنه، وهو يقف على حدود الخراب في حياته الجديدة، إنه انتصر على الآلام·· آلام الروح والجسد وإنه يريد أن يواصل المقاومة حتى اللحظة الأخيرة· وحين نحترم تجربة المؤلف ونجلُّها فربما لأننا نحترم ونجلّ شيئا ما في أنفسنا لم تتح لنا الفرصة لتجربته· على الرغم مما يرافق ذلك من لحظات ارتياب وخوف مبعثهما صعوبة التسليم بسلطات الإرادة·· إرادة التغلب على ضعف الجسد وهشاشة الذات، ومعايشة الألم، ومحاولة ردم الهوّة والمسافة المتسعة التي تفصل المعوّق عن الآخرين والحياة بهم ومن خلالهم بصورة طبيعيّة· ولئن كان اجتياز هذه المسافة الفاصلة هي مهمة هؤلاء الآخرين الذين يمتلكون أيدياً وأرجلاً سليمة تمكنهم من السير بل الركض السريع في كل الاتجاهات، فإن الذي نراه على أرض الواقع هو أن الجهد الأساسي المبذول في ذلك يقع على عاتق المعوّق نفسه، مع أنه لا يمتلك كما نعلم لا يدين ولا رجلين سليمتين مثل أيدي الآخرين وأرجلهم·· وذلك لا يعني نفي الحالات الخاصة و المواقف الإنسانية العديدة التي وقف فيها الكثيرون إلى جانب المؤلف في محنته ومكّنوه من مواصلة الإحساس بذاته وكرامته· والكتاب يورد أمثلةً كثيرة منها على نحو نرى فيه جانبي المتعة والفائدة مندمجين في الكتاب بشكل غريب؛ مع علمنا أن الكاتب غير معني بأن يقدم شكلاً صافياً محمولاً على زخرف عربي لا شأن له بالانفعالات البشرية والتفاصيل اليومية المختلفة، أو أن يستبدل الخبرة المباشرة ببدائل وهمية عن الحياة وطريقة الكتابة عنها· وهو يقول لنا في كل لحظة، إن الإنسان يربح حينما يقبل بالخسارة· ويعلمنا، كذلك، أن خسارات المعوّق وأرباحه هي خساراتنا وأرباحنا جميعاً· وذلك لا يحدث لأننا نعاني مثله من محنة الوجود، ومن هشاشة الذات البشرية، وخفة الكائن الإنساني، وإنما لأننا معرضون مثله للخسارة، بل لما هو أسوأ منها، وهو الموت في الحياة؛ أعني بذلك فقدان الإحساس بجدة الأشياء، وعدم الشعور بمعاناة الآخرين وما ينتظرهم من مصير·
وهو أمر يتساوى، إن لم يتفوق في تأثيره، على ما أحسه محمد عيد العريمي يوما ما في محاولته الحياة في الموت، أو ما بدا للكثيرين أنه الموت· فهو لا يعاني فقط من هذا الداء الوبيل الذي حل على جسده ضيفاً ثقيلا، وإنما من نظرات الآخرين الذين رثوا لحاله وتأثروا له، ولكنهم كانوا حريصين، مع ذلك، على أن ينتهوا منه ويفرغوا من أمره كما يفعلون مع الموتى الأعزاء· فهو، بكل بساطة، معوّق، والحياة للقوي· وإذا أصر على أن يكون موجوداً وقوياً، فلا بد من أن يتقبل حقيقة أن يكون موضوعاً؛ نعم موضوعاً لا ذاتاً فاعلة ومشاركة· أي مجرد محل لاهتمام الآخرين وعطفهم ولفتاتهم الإنسانية الرحيمة· وحكاية تلك الممرضة التي كانت تتكلم عن شأن من الشئون الخاصة بالمؤلف مع مرافق له بإنكليزية لا يُحسنها هذا المرافق، مثال على ذلك· فهذه الممرضة التي فوجئت بـالمعوق يفتح فمه ويكلِّمها بإنكليزية سليمة لا أثر فيها للعوق، كانت مدفوعة في موقفها ذاك بإحساس داخلي غير مصرّح به، وهو أن الإنسان إما أن يكون سليماً في كل شيء، أو لا يكون سليماً في شيء· وهي غير مستعدة لتقبُّل هذا الوضع الغريب الذي يكون فيه الإنسان قادراً بعقله ولسانه، ولا يكون قادراً بيده ورجله! وهو أمرٌ إذا لم يكن سارّاً تماماً، فهو يبعث على الدهشة·
وهو يعيد إلى مخيلتها تلك الحكاية الطريفة عن ذلك الأعمى الذي يُظن بأنه لا يسمع، وحكاية الأصم الذي يُظن بأنه لا يرى·
وتلك هي الحال التي وجد محمد عيد العريمي نفسه فيها، يناضل من أجل وعي ضروراتها الاجتماعية والنفسية، وتبديد الأوهام التي نشأت عند كثيرين من حولها· وهي حال من الصعب تلخيصُها بضرورة مساعدة المعوّّق أو ذي الاحتياجات الخاصة والتعاطف معه، وإنما الاعتراف به وعدم تغيير النظرة إليه، واحترام حقّه في الوجود الطبيعي، وعدم المسّ بكبريائه بوصفه إنساناً قادراً على الوجود والفعل، على الرغم مما فرض عليه من إصابة في هذا الجزء أو ذاك من جسده· هو أمرٌ لا نملُّ من تكرار القول بأن الإفادة منه لا تقتصر على أمثال محمد العريمي من ذوي الاحتياجات الخاصة، وإنما يشمل أيضاً كل أولئك الذين يحتاجون إلى عيون جديدة يعيدون النظر بها إلى حياتهم وحياة الآخرين من حولهم، بعد أن يتعلّموا كيفية كسر حاجز الإلفة ويحققوا شيئا مما يمكن أن نسميه خرق العادة التي تبدو معها الأشياء والكائنات أو كثيرٌ منها مهيأةً لأن تتخذ أشكالاً ومسارات جديدة تتخفف فيها من بعض أغطيتها الثقيلة، والعادات الراسخة بكل ما فيها من قهر للذات وكبت للمشاعر وبعد عن الأوهام·
وتلك هي، فيما أظن، الحكمة والرسالة الأساسية التي يحملها لنا هذا الكتاب بين دفتيه· وربما كان رائداً فيها؛ إذ فيها على بساطتها من عناصر البيان والبلاغة ما نستطيع معه أن نطمئن المؤلف بأنها قد وصلت، وأن كثيراً من الناس سيكونون مستعدين للاستماع إليها والتأمّل في تفاصيلها·
وعند ذاك، يمكننا الزعم بأن المذاق المرّ للتجربة يمكن أن يتغير، ويتحول إلى شيء يشبه العسل والسكر، طالما كان الصبر جميلاً، والأمل في توسيع الممكنات الإنسانية كبيراً·


