هذا كتاب فريد في بابه، يحتل، أو ينبغي أن يحتل، مكانة متميزة بين الأعمال الأدبية الخليجية والعربية المشابهة· وإذا كنا غير قادرين على تحديد نوع الكتاب وإدراج الكتابة في خانة إبداعية معينة، فلأنه أي الكتاب ينأى بطبيعته عن التصنيف الذي اعتدنا أن نقرأ النصوص وال
أنت هنا
قراءة كتاب مذاق الصبر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 7
فجأة فقدت الإحساس في جسدي كله عدا ما فوق الكتفين، واقتصرت قدرتي في الحركة على عيني وفمي وحسب، ولم تكن لي قوة - حتى - على حك أنفي!كان دعاء أمي رقيقا ينضح منه دفء الحميمية التي تجسد الأمومة بكل أبعادها ومعانيها وقدسيتها، وكان وداع زوجتي رقراقاً حملته ابتسامة هدهدت دواخلي وشدت روحي للبقاء· وركبت سيارتي في عتمة ليلة لم يظهر فيها ضوء القمر متوجها إلى مطار السيب للإقلاع على متن طائرة شركة تنمية نفط عمان، المتوجهة إلى حقول النفط في مرمول بالصحراء العمانية·وكان ذلك هو الأسبوع الأخير لي في ذلك المكان النائي بالصحراء العمانية قبل إجازتي السنوية، والسفر لقضاء شهر عسل طال انتظار زوجتي له·· لأعود للعمل في مقر الشركة الرئيس بمسقط بعد أن أمضيت في الصحراء نحو عشرة أشهر من التدريب على رأس العمل·
وكنت قد عُدت قبل سنة ونيف من الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أمضيت هناك نحو خمس سنوات نلت بعدها شهادة بكالوريوس علوم في الهندسة الصناعية·
وفي الطريق الممتد بين مدينة صور ومسقط، وفي وقت مبكر من الصباح، حين تبدأ خيوط النور بالانتشار رويدا إيذانا بانبلاج فجر يوم جديد، اتخذت حياتي منعطفا آخر، عندما اعترض جملان طريقي على بعد 02 مترا تقريبا من السيارة· وبسرعة لم تتجاوز مائة كيلومتر بالساعة، وفي جزء من الثانية ليس أكثر، كان عليّ اتخاذ القرار المناسب لتلافي الكارثة: إما تجاوزهما من ناحية اليمين والتعرض للتدهور خارج الشارع الذي كان يرتفع بنحو مترين عن بطن الوادي، أو تجاوزهما من ناحية اليسار والاصطدام بسيارة قادمة من الجهة المعاكسة كان ضوء مصابيحها يحول دوني وتحديد مكانها على الطريق، أو كبح الفرامل والتضرع لله (سبحانه وتعالى) أن تبطئ السيارة سرعتها وتتوقف قبل الاصطدام بكتلتي اللحم الوجلتين وسط الطريق·
واخترت الثالث منها، لكن السيارة، وعلى غير ما تمنيت، واصلت الانزلاق نحو الجملين وصدمت أحدهما بقوة رفعته عاليا ليرتطم بسقفها ويهوي بثقله على رأسي·
عندما أفقت من تأثير الصدمة واستعدت بعضا من وعيي، خلت رأسي منفصلا عن جسدي· وإذ حاولت فك حزام الأمان خانتني يداي· وقال لي أحد الرجلين اللذين كانا في السيارة القادمة من الجهة المعاكسة وهو يفك حزام الأمان اطمئن ستكون بخير، سنأخذك إلى مستشفى إبرا القريب من هنا
في ساحة المستشفى، سارع الممرضون والممرضات إلى إسعافي وتجمع المرضى والمراجعون، وجاء المتطفلون وخيم عليّ ظل حائط مستدير قبته مفتوحة نحو السماء· كانت الوجوه والأشكال والأصوات تتداخل: افتح عينيّ فأرى الناس أمامي كخيالات الظل تتحرك بشكل هستيري في اتجاهات وأبعاد لا وجود لها، وتصدر أصواتا كخوار الثيران لا أفهم معاني كلماتها!
وكنت حينئذ أتخبط في حالة بين الوعي واللاوعي، وبدأت أفقد القدرة على التركيز والرؤية، وأشعر بخدر في جسمي كله وكأني مهيأ لعملية جراحية· وفي وقت ما، ولا أدري كم طال وأنا على ذلك الحال، أتذكر أني تمكنت من التركيز، أو بالكاد، على شخص كان يسأل بإلحاح عن رقم هاتف منزلنا في صور· حاولت التحدث إليه، لكن لساني لم يطاوعني·
قال لي أحد الممرضين، بعد أن سألني إن كنت أشعر بضغط يده على قدمي وأجبت نافيا، إنهم لا يستطيعون تحريكي من هنا حتى يأتي الطبيب الذي هرعوا لاستدعائه·
وصل الطبيب المناوب، وأخذ يفحص جسمي ثم طلب جبيرة بلاستيكية لتثبيت العنق، وقال لي، بقدر ما أسعفته لغته العربية وبما معناه: لا تخف، ستكون على ما يرام· أنت بحاجة إلى علاج تخصصي وسننقلك إلى مستشفى خولة بمسقط حيث تتوفر تسهيلات أفضل للعناية بك ثم طلب من أحد الأشخاص بجانبه استدعاء سائق سيارة الإسعاف فوراً·


