أنت هنا

قراءة كتاب مذاق الصبر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مذاق الصبر

مذاق الصبر

هذا كتاب فريد في بابه، يحتل، أو ينبغي أن يحتل، مكانة متميزة بين الأعمال الأدبية الخليجية والعربية المشابهة· وإذا كنا غير قادرين على تحديد نوع الكتاب وإدراج الكتابة في خانة إبداعية معينة، فلأنه أي الكتاب ينأى بطبيعته عن التصنيف الذي اعتدنا أن نقرأ النصوص وال

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 9
في يوم السبت، علم زملائي والمسئولون في الشركة بخبر الحادثة، وكان أول من جاء منهم لزيارتي الدكتور هارفي، مدير الدائرة الطبية بالشركة، الذي سعى لنقلي إلى غرفة خاصة·
 
قبل المضي في سرد المزيد من هذه اليوميات، أود تسجيل إشادة مستحقة لهذا الطبيب الإنسان وهذه المؤسسة العملاقة الملتزمة برعاية موظفيها· فلولا جهوده النبيلة وخصاله الإنسانية الحميدة واستجابة الشركة العالية لإعانتي خلال فترات العلاج وما بعدها، لما قدر لي تجاوز تداعيات الإصابة وقطع هذا الشوط الطويل في مقاومة الشلل وتبعاته·
 
فلقد وقف الدكتور هارفي إلى جانبي طوال أشهر علاجي في المستشفى، وعمل على تهيئة جل السبل لتوفير الراحة والعناية الطبية اللازمتين خلال وجودي هناك، ثم عمل على نقلي إلى بريطانيا على نفقة الشركة لاستكمال العلاج والتأهيل· ولعب فيما بعد دورا عظيما في توفير الفرصة لمواصلة مستقبلي المهني أيضا!
 
تردد عليّ الأطباء خلال الأيام التالية، وأُخضعت مرات عدة لفحوصات مختلفة، بيد أنهم لم ينوهوا بإمكانية تحسن حالتي، ولا ذكروا كم سـيطول انتظاري لإعطائي رأيا نهائيا وقاطعا حول وضعي الصحي· ولعل الوقت مازال مبكراً، كما قال بعضهم، لتحديد النتائج النهائية التي تترتب على هذا النوع من الإصابات·
 
ورغم أن بعضهم أشار إلى أن الإصابة ربما تكون قد ألحقت ضرراً دائما بالجهاز العصبي، وأثرت بالتالي على قدرتي على الحركة الذاتية والإحساس، بدءاً من الصدر ونزولاً إلى أصابع اليدين والقدمين، فضلاً عن اختلال معظم وظائف أعضاء الجسم الحيوية أسفل منطقة الإصابة، إلا أن شدة تأثيرها عليّ واحتمالات الشفاء ونسبته كانتا مرهونتين بمستوى الإحساس الذي سيعود إلى الأجزاء، الذي فقدته خلال الأسابيع القليلة القادمة، كما أنهم تحدثوا عن احتمال إجراء عملية جراحية خلال ذلك الأسبوع·
 
دخل غرفتي في صباح اليوم المفترض لإجراء العملية ثلاثة شباب من مدينة صور لا أعرف غير واحد منهم معرفة سطحية· تحدثوا معي بعض الوقت، وانفردوا بوالدي في حديث خاص أثار شكوكي، ثم غادروا الغرفة! سألت والدي عن موضوع حديثهم معه، فعرفت أنهم سمعوا بالعملية وجاءوا للتبرع بالدم، وأخبروه أنهم سينتظرون في غرفة الاستراحة المجاورة حتى يأتي الطبيب لتقديم عرضهم عند الحاجة·
 
قد لا يبدو هذا الموقف غريباً إذا بدر من أشخاص تربطني بهم علاقة قرب أو صداقة، غير أن يقتحم غرفتي أناس لا أعرفهم ويضعون أنفسهم تحت تصرف الطبيب لتقديم الدم اللازم الذي قد تطرأ عليه الحاجة أثناء إجراء العملية لهي بالفعل مبادرة إنسانية استثنائية، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى!
 
كما أظهر لي كثير من الناس - بعضهم لا تربطني بهم علاقة معرفة حتى - من المحبة والعطف ما يفوق الوصف، فلقد غمروني وأسرتي بالرعاية والحب، وساعدوا على تخفيف وقع الحادثة على أهلي بتوفير سائر سبل الراحة لإقامتهم في مسقط·
 
يبدو أن الأطباء توصلوا في اليوم نفسه المقرر لإجراء العملية إلى أن إصابتي لا تستدعي تدخلا جراحيا، واستبدلوها بعملية شد العمود الفقري التي استدعت تثبيت مشبك معدني في جانبي الجمجمة، وربطه بخيط يمر على بكرة ثُبتت هي الأخرى في طرف السرير، ويتدلى من طرفه الآخر ثقل يزن عدة كيلوجرامات· الهدف من هذا الإجراء الطبي إعادة الفقرة المكسورة في الرقبة إلى وضعها السابق، لكن لا أحد ذكر لي النتائج التي ستسفر عن هذا الإجراء، ومدى تأثيره على إمكانية عودة الإحساس إلى جسدي!
 
وتشبثت بأمل·· زائف ربما، غير أن لا خيار للغريق سوى التشبث بكل ما تستطيع يداه الوصول إليه حتى ولو كان قشة· وتشبثت بأمل أن يعود الأطباء غدا أو بعده، أو ربما بعد أسبوع ليزفوا لي نبأ أن إصابتي ليست سيئة كما تبدو، وأني سأكون في طريقي إلى الشفاء خلال الأيام القليلة القادمة!
 
مرت أيام عدة، ولم يأتِ الخبر الذي كنت أنتظره، ولعله الوهم الذي كنت أتمناه، وإنما تدافعت عليّ الكوارث والأحزان، وتلاها حشد من التساؤلات·· بعضها تجاوز حدود المعقول· فقد أظهر التشخيص الطبي النهائي للإصابة تهتك الحبل الشوكي في العمود الفقري بسبب تهشم الفقرة السادسة في الجزء السفلي من العنق: أي بمعنى آخر أصبت بكسر في الرقبة وقطع في الحبل الشوكي داخل تلك الفقرة· وأكد الأطباء أن فرص الشفاء في مثل هذه الحالة ضئيلة إن لم تكن معدومة·
 
لم ينقل الخبر إليّ على ذلك نحو - فالأطباء لديهم أساليبهم لإبلاغ المريض وأهله بخطورة مرضه أو شدة إصابته - وإنما جاء أحد الأطباء مثقلاً بمهمة إبلاغي أنهم لا يرون أية فرصة للشفاء أو حتى تحسنا أيا كان نوعه قد يطرأ على صحتي، وأن عليّ قبول ما آلت إليه إصابتي لكي يتسنى للتأهيل فرصة للنجاح·· سواء هنا أو في الخارج·

الصفحات