أنت هنا

قراءة كتاب الرفيقان

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الرفيقان

الرفيقان

منذُ ولادتِيَ وأوائلِ سنينِ طفولتِيَ كانَ أكثرُ الأسئلةِ تَحييراً وإحراجاً لِيَ هو ما اسْمِيَ وأصْلِيَ، أيْ اسْمُ قبيلتِيَ.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
دار النشر: دار المأمون
الصفحة رقم: 2
ميلادُ وطفولةُ وصبا وبدايةُ شبابِ
 
"حَمَدْ ابن أبو جاسر"
 
في إحدى ليالي الصّيفِ القصيرةِ، وبعدَ منتصفِ الليلِ بقليلٍ، جاء المخاضُ السّيدةَ "أم جاسر" (جوريّة) لوضْعِ وليدِها الثامنِ والذي أَطلقَ عليه اسمُ "حَمَدْ" فيما بعدُ. ذهب أحدُ أولادِها البالغينَ لطلبِ المساعدةِ من قابلةِ القريةِ القانونيةِ، الحاجّةِ "محفوظة"، والتي لبَّت طلبَ هذه الفلاحةِ المثقلةِ بِهُمومِ الأولادِ وكسبِ الرزقِ ومساعدةِ معيلِ الأسرةِ الوحيدِ والمكونةِ من عشرةِ أفرادٍ الآنَ. ما بينَ السّاعةِ الثالثةَ والرابعةَ صباحاً تَمكّنتْ هذه الأمُّ الكادحةُ من وضعِ جنينِها والذي تَمَّ وضعُهُ في لُفافةِ قماشٍ (عامّياً تعرفُ بِ"اللِّفاعِ") بيضاءِ اللونِ مستعمَلةٍ من قبلُ لأطفالٍ ولدوا قبلَهُ في العائلةِ. عادةً ما يَتمَّ حزمُ اللفاعِ بوثاقٍ عريضٍ نسبياً من القماشِ الأبيضِ أيضاً لفترةٍ من الزمنِ من عمرِ الطّفلِ الرضيعِ. وبِما أنَّ الموسمَ موسمُ حصادٍ وجَمْعُ القشِّ من الحقولِ، حقولِ القمحِ والشعيرِ والنباتاتِ التي تنتجُ أعلافَ الحيواناتِ، كانت الأمُّ (أم جاسر) تُضطرُّ لتركِ وليدِها كلَّ يومٍ وفي الصّباحِ الباكرِ وتذهبُ إلى حقولِ قمحٍ وشعيرٍ تبعدُ أكثرَ من سبعةِ كيلومتراتٍ عن القريةِ مروراً بأراضٍ وطرقٍ جبليةٍ وعرةٍ. تَحْتَ رعايةٍ من بنتِها الصّغيرةِ "زولالة" كانت الأمُّ تتركُ لوليدِها قطعةً صغيرةً من حلوى "الراحةِ" ("حلوى الراحةِ" هي صناعةٌ تركيةُ الأصلِ وتَمتازُ بسهولةِ مضغِها وهضمِها ولسِنٍّ مبكّرةٍ جداً للمواليدِ الجددِ) موضوعةٍ في طرفِ قطعةِ منديلِ رأسٍ نسائيٍّ أبيضَ اللونِ؛ وُضعتْ في فمِ المولودِ للمَصِّ عند شعورهِ أو إحساسهِ بالجوعِ، وللتزوُّدِ بالسّكرِ اللازمِ لإبقائهِ على درجةٍ مقبولةٍ من الشبعِ.
 
مكانُ الولادةِ هو البلدةُ القديمةُ من القريةِ حيثُ يعيشُ ويَموتُ! الإنسانُ والحيوانُ جنباً إلى جنبٍ، وحيثُ يتوحَّدُ منامُ الأطفالِ مع مأوى الحيواناتِ التي تتألفُ من بقرٍ وماعزٍ ونعاجٍ وقططٍ وطيورٍ... ومن كلٍّ منها زوجانِ اثنانِ تقريباً!. لا يوجدُ حتى حائطٌ قصيرٌ يفصلُ هؤلاءِ عن بعضِهمْ البعضِ؛ هنالكَ كانت الحيواناتُ الكبيرةُ من مثلِ الأبقارِ والحميرِ توثقُ من رؤوسِها أو من أعناقِها أو حتى من أيديها وأرجلِها لِمنعِها من أنْ تطوفَ إلى المصطبةِ المخصّصةِ للبشرِ وأثاثِهمْ و"خوابيهِمْ". لا يوجدُ هنالكَ نظامُ تَهويةٍ في البيتِ ولو بشباكٍ صغيرٍ يسمحُ بتهويةٍ كافيةٍ. يَحرسُ البيتَ بابٌ كبيرٌ نسبياً مصنوعٌ من الخشبِ السّميكِ وبهِ سُكَّرَةٌ ومفتاحٌ من العيارِ الثقيلِ، ولا يقدرُ أنْ يفتحَ ذلكَ البابَ إلا ربُّ الأسرةِ والبيتِ أو شخصٌ آخرُ من نفسِ عيارِ القوّةِ تقريباً.
 
تشربُ كافةُ الحيواناتِ من إناءٍ على شكلِ حجرٍ كبيرٍ مكعّبِ الشكلِ كان قد حُفِرَ بهِ فراغٌ يَسْمحُ باحتواءِ الماءِ، تَمَّ وضعُهُ منذُ القِدَمِ خلفَ ذلكَ البابِ الخشبِيِّ الكبيرِ السّميكِ. ويشربُ أفرادُ العائلةِ من إناءٍ آخرَ، جرَّةٍ مصنوعةٍ من الفخارِ وقد رُبطَ بِها قَدَحٌ (كوبٌ أو ركوةٌ صغيرةٌ) من الألَمنيوم. كانت الأمُّ أو بناتُها اليانعاتُ يَجلبنَ الماءَ الصّالِحَ للشربِ من إحدى اثنتيْنِ من عيونِ ماءِ القريةِ، واحدةٍ تتوسطُ بيوتَ ومنازلَ القريةِ المتواضعةِ والأخرى في أقصى طرفِها الشرقيِّ. في أيامِ الصّيفِ تشحُّ المياهُ كثيراً، لذلكَ كانت النساءُ تَحصلُ على الماءِ بطريقةِ إدلاءِ دلوٍ مصنوعٍ من إطارِ السّيارةِ الداخليِّ بعدَ قطعهِ بشكلٍ عرْضيٍّ وخياطةِ (باستعمالِ مِسَلَّةٍ وخيطٍ سَميكٍ نسبياً) إحدى طرفيهِ بالمِسَلَّةِ والخيطِ ويُثَبَّتُ بالطرفِ الآخرِ طرفُ حبلٍ طويلٍ. كان الماءُ يُنتشلُ من عينِ الماءِ "لَحسةً" بِ"لَحسةٍ" (لغوياً كلمةُ "لَحسة" تعني كميةً صغيرةً من الماءِ كافيةٍ لإحداثِ "بللٍ" باللسانِ وذلكَ دليلٌ على شحِّ الماءِ في عينِ الماءِ) في عمليةٍ طويلةٍ ومضنيةٍ قد تستغرقُ بضعَ ساعاتٍ في غالبِ الأحيانِ لِمَلءِ وعاءٍ صغيرٍ خاصةً عندَ اشتدادِ الحرِّ في فصلِ الصّيفِ.

الصفحات