منذُ ولادتِيَ وأوائلِ سنينِ طفولتِيَ كانَ أكثرُ الأسئلةِ تَحييراً وإحراجاً لِيَ هو ما اسْمِيَ وأصْلِيَ، أيْ اسْمُ قبيلتِيَ.
أنت هنا
قراءة كتاب الرفيقان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
أحداثٌ أخرى من ذاكرةِ مدرسةِ القريةِ
تعتبرُ مدرسةُ القريةِ من أكثرِ المرافقِ تواضعاً في الخدماتِ وعلى رأسِها الخدماتُ التعليميةُ. لا يتمتّعُ معظمُ المدرّسينَ بالحدِّ الأدنى الذي يؤهلُهُمْ للقيامِ بتدريسٍ ذا مستوىً مقبولٍ. كانَ يُؤتى بِهِمْ عادةً من معاهدَ عُليا تُسمى "تيمّناً بِها" بِ"دورِ إعدادِ كوادرِ المعلّمينَ". واجبُ تلكَ "الدّورِ التعليميةِ" القيامُ بإعدادِ الكوادرِ التعليميةِ وتأهيلِها؛ لكنَّ هنالكَ ضعفٌ واضحٌ في بنيةِ المعلوماتِ وأساليبِ تقديمِها وتطويرِها ولِمُختلفِ الموادِّ. كان يتركزُ اهتمامُ المدرّسِ وبالدرجةِ الأولى بِمظهرهِ وشكلهِ وهيبتهِ أمامَ نفسهِ والأولادِ، فهو شرطيٌّ أولاً.... وأكاديميٌّ أخيراً على أصدقِ تعبيرٍ وعلى أكثرِ الأحوالِ تفاؤلاً. كثيراً ما كان يقومُ المعلّمُ بأعمالٍ تأديبيةٍ ضدَّ الطلبةِ لا علاقةَ لَها بالأدبِ والحياءِ لا من قريبٍ أو من بعيدٍ، كانت تَحدثُ لسببٍ بسيطٍ وساذجٍ أحياناً أو في أغلبِ الأحيانِ دونَ سببٍ. إضافةً إلى ذلكَ فإنَّ الحافزَ والجهدَ التعليميينِ عندَ الكثيرِ من المعلّمينَ من الضحالةِ بِمكانٍ في ذلكَ الوقتِ. كانَ المعلّمُ الأستاذُ "عزّوز" مثلاً يُجبرُ أحدَ التلاميذِ مِمّنْ تقعُ عليهِ القرعةُ في الصّفِّ على الجلوسِ، خلالَ الدرسِ، على كرسيِّ المقعدِ الملاصقِ لطاولةِ المدرّسِ. يضعُ المعلِّمُ "عزّوز" عصاً خشبيةً تشكِّلُ مثلَ جسرٍ بينَ رأس ِالتلميذِ وسطحِ الطاولةِ؛ يطلبُ المعلمُ من التلميذِ أنْ يُحافظَ على ذلكَ الوضعِ طيلةَ الدرسِ بعدمِ تَحريكِ رأسهِ يَميناً أو يساراً ولو بقيدِ أنْملةٍ حتى لا يَختلَّ توازنُ العصا وتتدحرجَ من على رأسهِ وتسقطَ أرضاً. كان معلِّمٌ آخرُ يعاقبُ الأولادَ بالضربِ على قاعِ قدمَيْ الطالبِ (الفَلَقة) "المُذنِبِ" حالَ حدوثِ أيِّ خطأٍ من التلاميذِ. يزيدُ المعلِّمُ العقابَ شدَّةً على التلميذِ في حالِ تكرارِ الخطأِ بالضربِ بالعصا على مؤخّرةِ (قَفا) التلميذِ، بعدَ تقييدهِ وتثبيتهِ بالمقعدِ الأوّلِ من الصّفِّ بِمساعدةٍ من زملاءِ وأصدقاءِ الولدِ الطالبِ نفسهِ!، ربَّما حتى يشعرَ ذلكَ المسكينُ بالإحراجِ أمامَ نفسهِ وغيرهِ طيلةَ وجودهِ على مقاعدِ الدراسةِ وإلى ما بعدَ انتهائهِ من المدرسةِ والتعليمِ بزمنٍ طويلٍ. هنالكَ من المعلّمينَ الذين كانوا يُمارسونَ "الديموقراطيةَ!" على هواهُمْ بأنْ يطلبوا من طلابٍ معاقبةَ طلابٍ آخرينَ بضربِ الفَلَقَةِ أو على المؤخرةِ أو، في بعضِ الحالاتِ، بِ"اللّطْمِ" أو "التلاطمِ" على وجوهِ بعضِهمْ البعضِ. ثَمّةَ معلّمٌ آخرُ لا ينادي التلاميذَ أو يذكرُهُمْ بأسْمائِهمْ ولكنْ بألقابٍ اخترعَها لَهُمْ حسبَ لونِ أو وزنِ أو طولِ التلميذِ أو علاماتٍ فارقةٍ في شكلِ الرأسِ والعينينِ والأُذنيْنِ والأنفِ والشّفاهِ وغيرَ ذلكَ.
كان ذلكَ اليومُ شديدَ البرودةِ والجفافِ حيثُ جَمَّد الصّقيعُ كلَّ شيءٍ تقريباً. يكادُ الدّمُ يَجْمَدُ في العروقِ وهو فعلاً مُجمّدٌ عندَ الأطرافِ، حيثُ الدورةُ الدمويةُ ضعيفةٌ نسبياً هناكَ. كان الوقتُ صباحاً عندما وصلَ الولدُ حمد مع اثنيْنِ من الطلبةِ الآخرينَ متأخّرينَ بضعَ دقائقَ بعدَ بدءِ الدرسِ الأوَّلِ، وعلى غيرِ العادةِ، ربَّما طمعاً بدفءِ فراشِ النومِ في يومٍ شديدِ البردِ. كان مديرُ المدرسةِ، السّيدُ "البَلْطِيُّ"، واقفاً أمامَ غرفتهِ. رأى السّيدُ "البَلْطِيُّ" الأولادَ المتأخّرينَ يُهرعونَ للدخولِ إلى غرفِ الصّفوفِ حينَ صاحَ بِهمْ بأعلى صوتهِ الحادِّ طالباً منهُمْ أنْ يذهبوا لِملاقاتهِ أمامَ بابِ غرفتهِ القريبِ من مكانِ وقوفهِ. لسببٍ أو لآخرَ اختفى ولدانِ رفيقانِ كانا بصحبةِ حمد عن ناظرِ الأخيرِ وسارَ وحدَهُ للعقابِ، كالحمَلِ إلى بيتِ ذئبٍ بشريٍّ لا يرحمُ. لَمْ يكنْ هنالكَ أيُّ حيّزٍ للمناورةِ أو الهربِ أو الاسترحامِ. بالصّوتِ العالي والسّبابِ والشتائمِ بادرَ مديرُ المدرسةِ السّيدُ "البَلْطِيُّ" الولدَ التلميذَ حمد. كان السّيدُ "البَلْطِيُّ" قصيرَ القامةِ نسبياً ولكنّهُ ذو وزنٍ كبيرٍ، وربَّما يزيدُ عن المائةِ كيلوجرامٍ، وكان لهُ كرشانِ أماميٌّ و"خلفيُّ" بالإضافةِ إلى ضخامةِ رأسهِ ورقبتهِ وثِقَلِ ظلِّهِ!. ملوّحاً بعصاهُ المقطوعةِ من نباتِ الخيزرانِ أمَرَ السّيدُ "البَلْطِيُّ" الولدَ حمد بفتحِ يديهِ اللتينِ أصابتْهُما الزُّرْقةُ من شدةِ البردِ. ظنَّ الولدُ حمد في بادئِ الأمرِ أنَّ مديرَ المدرسةِ سيقومُ بعمليةِ "تدليكٍ" ليديْهِ لتسخينِها لهُ في ذلكَ الجوِّ الباردِ. إلا أنَّ السّيدَ "البَلْطِيُّ" انْهالَ بضربةِ عصاهُ على يدِ الولدِ حمد بِ"الخيزرانةِ"، وانتقلَ إلى الأخرى والتي مدَّها لهُ الولدُ حمد هي الأخرى. عاد بالضربِ إلى اليدِ الأولى ثُمَّ أتبعَها الثانيةَ.... ثُمَّ الأولى ثُمَّ الثانيةَ.... اعتقدَ الولدُ حمد أنَّ الأمرَ انتهى إلى ذلكَ الحدِّ وهَمَّ بالذهابِ إلى صفِّهِ. صاحَ بهِ السّيدُ "البَلْطِيُّ" من جديدٍ ليعودَ إليهِ حمد مرّةً أخرى، وبدونِ وعيٍ ظنَّ الولدُ حمد أنْ قد جاءتْ إلى رأسِ المديرِ "البَلْطِيُّ" رحْمةٌ من مكانٍ ما، ربَّما أرادَ أنْ يعتذرَ عمّا ارتكبهُ؛ خطأ ُتقديرٍ آخرَ!. ضربَ المديرُ "البَلْطِيُّ" الولدَ حمد هذه المرّةَ على ظهرِ يديهِ وأصابعهِ التي أوشكتْ أنْ يتشقَّقَ بِها الجلدُ ويَخرجَ منها الدّمُ. دخلَ الولدُ حمد بعدَ هذا العقابِ إلى غرفةِ الصّفِّ وقد بدأتْ مثلُ نبضاتٍ كهربيةٍ عاليةِ التردُّدِ والجهدِ تنفضُ في يديهِ ومثيرةٍ لعواصفَ دماغيةٍ وجسديةٍ عندهُ، تبدأُ ولا تنتهي. ومن السّاعةِ الثامنةِ صباحاً تقريباً حتى ما بعدَ الحاديةَ عشرةَ قبلَ الظهرِ، ظلَّتْ الدموعُ منهمرةً تطفحُ العيونَ والوجهَ والرقبةَ ولَمْ يبقَ في رأسِ الولدِ حمد من سائلٍ إلا وخرجَ من العينينِ والأنفِ والفمِ. أُجلِسَ الولدُ حمد خلالَ تلكَ المعاناةِ في آخرِ مقعدٍ في الصّفِّ، واستمرَّ المعلّمونَ الأفاضلُ بإعطاءِ الدروسِ؛ الحقُّ يقالُ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ أيٌّ منهُمْ أنْ يَهدرَ! ولو دقيقةً واحدةً ليسألَ ذلكَ التلميذَ المسكينَ عمّا حلَّ بهِ أو ليساعدَهُ أحدُهُمْ في إيقافِ بكائهِ أو "كفكفةِ" بعضٍ من دموعهِ التي نضبتْ كلُّها.
كان هنالكَ القليلُ من المعلمينَ الذين لا بدَّ من إعطائِهمْ شهادةِ إعجابٍ وتقديرٍ. كان الأستاذُ "حَميدون" من الروعةِ بِمكانٍ؛ مدرّسُ علومٍ عامةٍ ناجحٌ، أبٌ وأخٌ كبيرٌ، بشوشٌ مبتسمٌ وحازمٌ، حريصٌ على أنْ يقومَ بواجبهِ ويفيدَ الأولادَ وكان لديهِ الكثيرُ مِمّا يقدرُ أنْ يعطيَ منهُ. كانت أوّلَ تَجربةٍ علميةٍ رآها التلميذُ حمد في المُختبرِ على يديهِ وتلخصتْ في إظهارِ بعضِ الخصائصِ الطبيعيةِ لبعضِ العناصرِ الفلزَّيةِ؛ كان أكثرُها إثارةً للاهتمامِ عناصرَ الصّوديوم والبوتاسيوم عند تفاعلِهما مع موادَّ رطبةٍ بالماءِ. دائماً عندما يُذكرُ اسْمُ الأستاذِ "حَميدون" يقفُ الجميعُ، مِمَّن تتلمذوا عليهِ، يقفونَ لهُ إجلالاً واحتراماً وتقديراً....


