أنت هنا

قراءة كتاب مسير نهر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مسير نهر

مسير نهر

تُخرج الكاتبة السويسرية آن كونيو في روايتها الضخمة "مسير نهر" الصادرة عن "نينوى"، الموسيقي الانكليزي فرنسيس تريجيان من ردهات النسيان، كي تعيد إليه اعتباره بوصفه جامع العوالم الموسيقية؛ النبيل المتألق الذي نجح في تجاوز مطب الكبرياء الانكليزية ليصل الى الاستن

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3
سمعت، بقدوم سائرين هذا الصباح من بعيد. وصلوا من إيفردون، كانا شخصين يتحدثان بإسهاب، ويتقدمان بسرعة. في البدء لم أستطع تمييز أقوالهما. ولكن ما كانا يقولانه أثر في، وكأنه سهم نفذ إلى الصميم: كانا يتحدثان اللغة الإنكليزية.
 
وبعد مضي سنوات عدة! كان الرعب أول ردة فعل تصيبني. هل شاهداني؟ أين أختبئ؟ نجحت بالاستماع إلى صوت العقل، لقد نسيني كل الناس مع مرور الزمن. وإذا حدث ذلك، فقد ولد هذان الرجلان، اللذان يقتربان بخطى سريعة واللذان لاحظت وجهيهما المدورين وعيونهم المتقدة، بعد... اختفائي.
 
فضلاً عن ذلك من سيعترف بفرانسيس القديم الموجود تحت لحيتي وثيابي الخشنة؟
 
عدت إلى صوابي قبل أن يلحظا دهشتي وذهولي. وكي أحمي نفسي، لم يكن هناك إلا حل وحيد: يجب أن لا يلحظا أنني أفهم اللغة الإنكليزية.
 
في إيشالين، الجميع مقتنع بأنني يوم اصطحبني بنوا دالينج في عربته، كنت قد عدت إلى البلد بعد أن فقدت عائلتي بكاملها بوباء الطاعون. كان هو الوحيد، هنا، الذي يعلم من أين أتيت في الواقع ولماذا. ينبغي أن أقول إنه لم يكن سهلاً عدم فهم الإنكليزية هذا الصباح.
 
أحد المسافرين يدعى جون والآخر توماس. توماس، (كم من الذكريات المرتبطة بهذا الاسم)، بحار جاء من كورنويل، عرفته من لهجته ومظهره. لو قلت ثلاث كلمات بالإنكليزية، لاكتشف أنني ابن البلد. توماس ورفيقه ذاهبان إلى جنوا (في إيطاليا) سيراً على الأقدام. لم أفهم سبب ذهابهما إليها. لا يتحدثان إلا الفرنسية البدائية، ويلتقطان، بالتأكيد، ما تبقى من ثمار على الطريق. حاولت أن أطرح عليهما أسئلة دون أن أفضح نفسي، وحاولا الإجابة عليها بمفرداتهما المحدودة. بعد لحظة عادا لشجارهما من دون أن يكترثا بي.
 
وفهمت، هنا – يكاد يراعي يعجز عن صوغ الأمر لفرط ما هو مريع- بأن انكلترا ألغت الملكية، وتمّ إيقاف شارل، الملك شارل!
 
كان جون أنغليكانياً وتوماس متزمتاً دينياً. لم يمنعهما ذلك من أن يكونا صديقين. وافقا على الذهاب إلى جنوا على حساب إنكليزي قام بتجهيز السفينة. مرّا بطريق الملح، فالورب، وسيذهبان إلى لوزان ومن ثمّ سيتوجهان إلى بيمونت. وجهة نظرهما حول قضايا الحرب الأهلية متباعدة، لكنهما متفقان حول الأحداث: الملك لم يعد يحكم، وانكلترا هي نوع من جمهورية يطلق عليها الكومونويلث، والسلطة في يد مجلس العموم، ولا يقوم اللوردات إلا بالمتابعة، حتى يقال أنه سيتم إلغائهم. هل المتزمتون هم من ينتقدون الكنيسة الأنغليكانية أم العكس، كان يستحيل عليّ فهم حقيقة ما كان يُقال وأن أضع لصاقة بكل الأسماء. في رأس هرم الدولة، كان هناك شخص يدعى أوليفر كرومويل، أحد أحفاد أوليفر كرومويل، أعز صديق لجدي جون، على الأرجح. ظننت بأنني فهمت بأن كرومويل سيلغي القوانين التي تدين المعترضين (هكذا كنا نسمي الأشخاص الذين كانوا منا، وظلوا كاثوليك). قد أكون أسأت الفهم، ربما فكرت برغباتي فيما يتعلق بالواقع.
 
بودي لو أرى هؤلاء المواطنين وأتحدث معهم. طلبت إليهم – بصورة غير مباشرة- أن يبقوا بعض الوقت في زاوية ما من أرضنا. لم يفكروا بذلك.
 
توجب عليّ القيام بعمل جبار كي لا أضغط عليهم بالأسئلة. كيف يعمل هذا الكومونويلث؟ ماذا حدث في الجيش؟ ماذا حدث في الأسطول؟ ماذا حدث في الكنيسة؟
 
عندما عدت أدراجي، بعد رحيلهم، سألتني مادلين دالينج فيما لو كنت مريضاً.
 
أجبتها كي تتركني بسلام قائلاً: "متضايقاً بعض الشيء ليس إلا، وهذا ليس بالأمر المهم".
 
صعدت وهاأنذا أجلس إلى المائدة.
 
عندما التقطني دالينج من على حافة الطريق، نصف ميت وتنهشني الحمّة، سمعني أهذي بالإنكليزية.

الصفحات